الجمعة، 27 ديسمبر 2024

المحدوديّة حياة الحب

حب الآخر، يعني فرصا غير محدودة، هذا في بادي الرأي ، لكن عند التدبّر، أن تعطي أحدا فرصا غير محدودة يعني أن تقوّض الحب كمبدأ.

‏حبك للآخر لا يمنحه الأمان إلا إن لم تهدر حبك لنفسك. وتجعل هذا الحب - أي حبك لنفسك-أساسا ومنطلقا لعلاقتك بها ثم بكل من سواك وكل ما سواك .

‏"الحب" المطلق للآخر، يكرّ على حقيقة الحب بالبطلان، المحدودية حياة الحب، تصونه، وبها يزدهر.

‏حبك لآخر  ينبغي أن تكون نهايته عند نفاد قدرته على أن ينفك عن " الانشغال الشديد بنفسه الذي يحرمه القدرة على التعاطف"  .

"فستان الشيفون" وأكثر

 

هدى حمد ⁦‪@hudahamed81 في " سأقتل كل عصافير الدوري " قدمت عملا قصصيا مهما، أجده فارقا ، كتابة من عمق البيئة العمانية ، بيئة المكان والزمان والثقافة، وفي نفس الوقت هناك مشترك إنساني لا ينفك عن هذا العمق المحلي.

          شعرت أني أعيش في عُمان، أتنفس هواءها، وأبصر شجرها وصحراءها وحقولها، ويلفحني حرّها وبردها، وفي نفس الوقت أنا هنا في مكاني في جدة ، والأفكار تشبهني ، تشبه تأملاتي في الناس، والأقدار، وتشبه الالتباسات الفكرية التي أفككها كلما نضجت خبرتي في الحياة.

          منذ بداية قصة : ( غابة تحيط ببيت) قلت لنفسي ، أنا أمام كتابة محكمة، وسرد منساب، وتمر السطور، لأضيف وذكاء أيضا، وعناية في اختيار الكلمات لتشبه شخصيات القصة ، ،ما هذه البراعة ، ورغم أن القصة لا تشبه ما أميل إليه من قصص ، إلا أني وقعت تماما في أسر الكتابة البديعة ، إلى أن انتقلت للقصة الثانية: " أولاد الجن يلعبون"، هنا وعي نفسي عال، وخبرة بتعقيدات النفس الإنسانية ، ثم وصلت إلى القصة الثالثة ، " فستان الشيفون" ، أقرأ وفي داخلي فضول ، هدى حمد كاتبة تثير في داخلك حماسا معرفيا لما ستقدمه لك نصوصها .

          " فستان الشيفون" قصة مكتوبة ببراعة سردية ، ومع ذلك بدت لي كمقالة فكرية مهمة، وهذه قدرة عالية لا يمتلكها إلا قليل .

          هدى حمد في " فستان الشيفون" تقول إن قولبة العلاقة بين الجنسين في صيغة معينة على أنها الصيغة الوحيدة التي تحفظ للمرأة حقوقها الإنسانية ومن ثمّ تؤدي بها إلى العلاقة المتوازنة مع الرجل ، هذه القولبة تفتقر إلى النضج والتواضع معا، فقد تجد المرأة في الزواج بطريق تقليدي ما لا تجده في الزواج عن حب ، بل إن القصة تشير إلى معنى أبعد وأعمق ، وهو أن القوالب وسيلة وليست غاية، والتعامل معها على أنها غاية يحرم أصحابها من اتساع الرؤية ، وفيه جمود ، وتصبح الوسيلة حاكمة على الغاية .

          نعتد أحيانا برحابة تفكيرنا المنعتق من إكراهات التقاليد، فنقع أسرى لإكراه جديد ، وهو إكراه القالب التجديدي ، يحجبنا عن رؤية روح العلاقة الإنسانية، تكبلنا مفاهيمنا التجديدية بقيود التعالي ، وتحجبنا عن رؤية سعة التجربة الإنسانية، وأن التقاليد القديمة كانت خيارا إنسانيا نافعا في وقت ما،        ولا يمنع ذلك من أن تستمر كذلك في حالات نحتاج إلى التواضع للاعتراف بها واحترامها وإلا تحولنا إلى أغبياء مقيتين كما هي صاحبة الفستان الشيفون الذي أهدته إلى جارتها القديمة.

‏الدفء الإنساني في العلاقات هو أمر أعلى وأقوى من كل القوالب الحقوقية التي نتبجح بها أحيانا.هذا بعض ما يمكن أن يقال في قصة " فستان الشيفون" وهو بعض ما يمكن أن يقال في جمال ونضج وقوة هذه المجموعة المهمة للكاتبة العمانية هدى حمد .

‏ولي عودة بإذن الله مع قصة " غبطة وتفاهة" من المجموعة وربما مع قصص أخرى .

 

الأمومة والكتب والمكان الثاني*

 

عندما تصفحت كتاب :" التهذيب الإيجابي"[1] لأول مرة في مكتبة جرير، عرفت أن هذا الكتاب سيكون مرجعا مهما لي في تربية ابنتي آمنة[2]، وقد كان. يقع الكتاب في 307 من القطع الكبير، وكل صفحاته مزدحمة بالمفاهيم والإرشادات التربوية ، بخط صغير ، كان الكتاب أمامي ككنز علي بابا، بكل التفاصيل التي تضمنها الفهرس: ( التساهل والصرامة، ما قل ّ ودلّ، قرر ماذا ستفعل، الاختيارات والعواقب، الروتين اليومي، اترك الفرصة لأطفالك لحل المشكلات، الملل، العناد، التدريب على الحمّام، ...الخ).

أهميّة الكتاب تكمن في وضوح الرؤية التي كتب بها، فغاية التربية تتلخص في أمرين: بناء طفل يحترم ذاته، وتنمية المهارات الحياتية التي تجعل منه طفلا متوازنا نافعا لنفسه وللآخرين. وتتسق التوجيهات التي يتضمنها الكتاب مع الرؤية العامّة التي يتبنّاها.

كان أمامي خياران، أحدهما: أن يكون الكتاب مرجعا للطوارئ، بحيث ألجأ إليه كلما استجدت مسألة تربوية أحتاج إلى المساعدة فيها . والخيار الثاني: هو أن أقرأ الكتاب كلّه متتابعا، ولا أنجّمه بحسب الحوادث التربوية الطارئة، وهذا ما فعلته، فجعلت لي وردا يوميا من الكتاب أقرؤه بعد وردي القرآني صباحا، وكانت الفائدة كما نصح الكتاب: سوف تستفيد من قراءة جميع المواضيع، وإن كان بعضها لا تحتاج إليه وقت قراءتك له، ستتسع مداركك، وتصير لديك ملكة تربوية جديدة ، توجّهك في المواقف الحادثة، وسيفكر عقلك فيها منطلقا من قيم الرحمة والتفهم والاحترام، وكل ذلك سيساعدك على تربية طفل متوازن، يقظ الضمير، حسن التصرّف. اهـ بصياغة جديدة للعبارة.

وقد ظننت أني سأستغني بهذا الكتاب عن غيره ، حتى طرأت على حياتنا مسألة العناد، ولم يكن الكتاب كافيا في مساعدتي في التعامل معها، وأنقذني  كتاب: "تربية خالية من الدراما"[3]، وفيه مسائل مهمة تتعلق بفهم دور الدماغ في توجيه سلوك الطفل.

الكتاب -رغم التفاصيل العلمية التي يتضمنها -سهل العبارة، ويجمع بين المعلومة العلمية ، وحكمة التجربة، فقد ألّف الكتاب زوجان ( دانيال جي. سيجيل، وتينا باين برايسون) نقلا لنا برحمة خلاصة تخصصهما العلمي ، وخلاصة تجربتهما الثرية.

          وفي التربية الجنسيّة كان كتاب: " كيف تتحدث عن كل ما يخص الجنس مع الأبناء"[4] قائما بفرض الكفاية في موضوعه، وخطة الكتاب هي أن يقرأه المربّي أولا، ثم يشرح ما ورد فيه للطفل ، وقد بيّن الكتاب بلغة مناسبة المعلومات التي تصلح لكل مرحلة من مراحل الطفولة.

 قرأت الكتاب كاملا في جلسة واحدة، وشرحته لابنتي عبر السنوات وفقا لخطّة الكتاب. الموضوع حسّاس نعم، وما يساعد هو أن تستحضر كمربي مسؤوليتك الدينية والأخلاقية، وأن تمتلئ شعوريا بإحساس أن الخجل هو المعيب، وأن الحديث إلى طفلك هو جزء مهم من رحلة بناء سوائه النفسي فضلا عن حمايته من غوائل المعلومات المشوّهة ، وأمر آخر هو أن قدرتك كمربّي على الشرح لطفلك تعتمد على أن تكون علاقتك بطفلك غنيّة بالألفة والرفقة الحلوة، وأن يمتد بينكما جسر من الحوار الدائم والقريب، وأن تكون روح هذا الحوار احترامك لعقل طفلك وعدم الاستخفاف به.

ساعدني أيضا في إعداد ابنتي لمرحلة البلوغ، كتاب :"حدث غير متوقع"[5]، أسلوب الكتاب قصصي مشوّق، ويلمس قلق الفتيات اللاتي يقتربن من البلوغ ، ويطمئن هذا القلق، ويعالج موضوعه معالجة علمية نفسية اجتماعية، قرأت مع ابنتي الكتاب في سن التاسعة، ثم قرأته بنفسها مرتين وهي تقبل على سن العاشرة. حسنا، لم أتوقع أن تهتم به صغيرتي لدرجة أن تعيد قراءته مرتين.

كتب المكان الثاني[6]

البحث عن كتب تساعدنا في التربية يتوجّه أولا إلى الكتب المتخصصة في التربية، لكن هناك كتب تلهمنا تربويا وتعلّمنا، وربما بطريقة أوقع في النفس، يزدهر بها المكان الثاني، وهو عندي رمز لكل ملاذ وجودي نختار أن نتجدد به أو نتجدد معه، في المكان الثاني كتب تربية خارج التصنيف المعتاد، مثلا، قصص الأطفال هي كتب تربية، والكتب التي تتناول العلاقات الإنسانية هي كتب تربية، والروايات أيضا كتب تربية.

عندما بلغت آمنة السابعة من عمرها قرأت معها كتاب :" 365 يوما مع خاتم الأنبياء"[7]، يقع الكتاب في 388 صفحة من القطع الكبير، وقد قسّمنا الأيام في الكتاب على أيام السنة كورد يومي.  ولأن آمنة أحبت الكتاب؛ فقد أنهينا قراءة الكتاب في تسعة أشهر، وكان جواب آمنة لمّا سألتها عمّا استقر في عقلها من قصص الكتاب، أنها لا تتذكر قصّة بعينها، لكنّ الكتاب جعلها تتعرّف على شخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه بعبارتها: "قوي، ويعرف كيف يتصرّف، ورحيم جدا".

لقد كانت قصص كتاب " المشاعر الكاملة، ما الذي تعنيه؟"[8]-وهو كتاب يصلح لسن السابعة[9]-سببا لحكايات جديدة أسمعها من آمنة عن مواقف مرّت بها في المدرسة في المراحل المختلفة (الروضة، والتمهيدي ، والصف الأول الابتدائي)، علاقتي بآمنة فيها الكثير من الحكي، لكن هذا الكتاب ذكّرها  بمشاعر مرّت كالسحاب على عقلها واختزنتها ذاكرتها الشعورية، وكانت تحتاج إلى نصوص ملهمة تساعدها على استدعاء هذه المشاعر، وتفكيكها ، والتعامل معها.

 القراءة المنتظمة لطفلك فعل محبّة وعناية واحترام، يصله ذلك ويستقر في وجدانه، وهي كذلك فعل تنوير ووعي وبناء روحي وعقلي ونفسي ولغوي . 

رسائل تربوية

من المسائل التي شرحها تفصيلا كتاب :" التهذيب الإيجابي"  مسألة أهمية العناية بأن نوصل لأبنائنا أن حبنا لهم، واحترامنا أيضا، لن يتأثر بتقصير منهم، أو قصور، سواء في جانب الأخطاء عموما، أو في جانب التعثّر الدراسي، وهكذا فلم أقل لابنتي يوما افعلي كذا لأحبك، أو أنا لا أحبك لأنك فعلت كذا أو لم تفعلي كذا ، بل كنت أذكر حبي لها في وقت التأديب، وأذكّرها دوما أنها في مرحلة تعلّم، وأن الخطأ لا يصمها، وكل ذلك مع ترتيب عاقبة على تصرّفاتها .

ثم نبهني كتاب المساعدة الذاتية :" لا بطعم الفلامنكو"[10] إلى أهمية أن أراقب  الرسائل الباطنة التي قد تتسلل من حيث لا أشعر إلى ابنتي ، تلك الرسائل التي تنبثق من اللاشعور لدي، والذي تشكّل عبر سنوات على المطالبة بالكمال، والاختزال الضال لقيمة الإنسان في تفوقه، وهذه الرسائل تأتي عبر كليشيهات عامة نتداولها في تمجيد الاكتمال، مما يشوّش على الطفل، ويوصل إليه رسائل متضاربة.

وفي رواية: " مكان ثان"[11] تتحدث بطلة الرواية عن أن طفولتها كانت مكبّلة بالانتقاد المستمر من أبويها، وأن هذا جعلها تتقلّب في العلاقات المسيئة لأن الإساءة هي الشكل الوحيد من العلاقات الذي شكّل هويتها، فكانت لا تشعر أنها مرئية في علاقة صحيّة ؛ فالانتقاد المستمر وحده هو ما يشعرها أنها مرئية.

قرأت في كتب التربية المتخصصة عن الأثر السيء للانتقاد المستمر على نفسية الطفل، وكيف أن هذا يخل باحترامه لنفسه، لكن رواية " مكان ثان" جددت قوة هذه الفكرة في داخلي.

إن "الوالديّة" إضافة جديدة في بنية العقل، يقرأ الوالدان بعين الإنسان، وبعين الوالديّة معا، و يجدان ملمحا تربويا في كل كتاب أدبي أو معرفي ، ولكأن الكون كلّه يتطوّع لمساعدة المربّين في هذه المهمة الوجودية التي تشغل عقولهم وقلوبهم.

*نشرت المقالة في العدد 85 من مجلة الجوبة الثقافية، أكتوبر/ 2024م

 

 

 



[1] التهذيب الإيجابي، جان نيلسن ولين لوت وستيفن جلين ، ترجمة مكتبة جرير، الناشر: مكتبة جرير.

[2] آمنة اليوم في الحادية عشرة من عمرها.

[3] تربية خالية من الدراما، دانيال جي. سيجيل وتينا باين برايسون، ترجمة مكتبة جرير، الناشر مكتبة جرير.

[4] كيف تتحدث عن كل ما يخص الجنس مع الأبناء، هبة حريري، نشر ذاتي. والكتاب متوفر في مكتبة جرير.

[5] حدث غير متوقع، رحاب ملاه، دار أسفار للنشر والتوزيع.

[6] اقتبست الاسم من رواية مكان ثان للروائية الكندية راشيل كاسك، ترجمة : محمد نجيب، دار المحروسة.

[7] 365 يوما مع خاتم الأنبياء، نوردان ملا، ترجمة: زينة إدريس، الدار العربية للعلوم ناشرون.

[8] المشاعر الكاملة ما الذي تعنيه؟ ،جنيفر مور- ماليونز وجوستافو مازالي، ترجمة مكتبة جرير، الناشر: مكتبة جرير.

[9] هذا تقديري، وإلا فإن العمر المقدّر في النسخة الإنجليزية من أربع إلى ست سنوات. وخلت النسخة العربية التي ترجمتها جرير من تقدير العمر.

[10] لا بطعم الفلامنكو، محمد طه، دار الرواق للنشر والتوزيع.

[11] مكن ثان، راشيل كاسك، ترجمة محمد نجيب، دار المحروسة.

حضن غير مرتبك

 

يعطي الحزم الطفل وضوحا في رؤيته للصواب والخطأ، والوضوح أمان، كما أن التذبذب يخلق فوضى داخلية تربك علاقة الطفل بنفسه وبوالديه.

       والحزم وسيلة وليس غاية؛ وهو لا يؤتي ثمرته إلا إن صاحبه التعاطف. الحزم وسيلة لتنمية مهارة الانضباط الذاتي لدى الطفل، وإذا أردنا أن يكون انضباط الطفل نابعا من ضميره -أصالة- لا من خوفه من والديه، أو طمعه في مكافأتهما، فالتمهيد لذلك يكون بعلاقة غنية بالاحترام والعاطفة بين المربّي والطفل. فإذا حصل موقف ما، يحتاج إلى ضبط سلوك الطفل، لم يسارع المربّي إلى فرض الانضباط بالتهديد أو مباشرة التعنيف، وإنما يتواصل مع الطفل بهدوء ورويّة وعاطفة ، ليصبح الطفل قادرا على الاستماع إليه، ومن ثمّ يُلزم الطفل بالتصرّف الصائب.

      لا يخلّ بالحزم أن نقول للطفل إننا نتفهم غضبه، ونتمنى لو أننا لم نضطر إلى إلزامه بالعاقبة الثقيلة عليه، لكن تحمّل مسؤولية الخطأ سيجعله إنسانا أفضل، ولا مانع هنا من الحضن بل هو معمّق لفكرة اتساق الحزم مع التعاطف.

       ما يحوّل الحزم إلى قسوة هو غياب الفِكر قبل الفعل التربوي. لكي يؤتي التوجيه ثماره، لا بد أن نفكّر في طبيعته، وما سيترتب عليه معا، بما يناسب طبيعة الطفل. وقبل ذلك لا بد أن نفهم دوافع الطفل وسياق تصرّفه.

       حسنا، الأمر دين أيضا، سيسألنا الله عن حق الطفل في تربية تؤمّنه، ولا تخلق في داخله خوفا أو تشوشا أو هوانا.

       يتحوّل الحزم إلى قسوة عندما نُتبع التوجيه بالاعتذار عنه. هذا فعل قسوة؛ لأنه يشوّش الطفل فيختلط عليه أمر الصواب والخطأ، وفوق ذلك يحرمه هذا التذبذب من القدرة على الثقة بنا، وبالتالي يتزعزع داخله الشعور بالوالدين كسند وأمان.

      أن يكون المربي محل احترام الطفل ليس ترفا، بل هو رافد مهم لحاجة أساسية وهي حاجة الطفل إلى أن يقارب ما يتعلّمه عن أساسيات موقفه المعرفي تجاه الوجود.

       الحزم وسيلة لمساعدة الطفل على النمو المتوازن، وليس غاية في حد ذاته، والتعاطف كذلك، وكلاهما الحزم والتعاطف هما حق للطفل، وهما جناحا توازنه الداخلي. هذا ليس سهلا لكن هل مسؤوليتنا كمربّين إلا المحاولة ، والثبات على المحاولة.

       وفي كل مرة نتحدّث فيها عن أخطائنا التربوية ‏لا بد أن نذكّر أنفسنا أن الخطأ جند الصواب؛ لأننا نتعلم من أخطائنا مهارة جديدة لتجنّبها، ونتعلّم من أخطائنا أن نتواضع ونراجع أنفسنا وممارساتنا التربوية، كما تساعدنا أخطاؤنا وتساعد أطفالنا على فهم أعمق لكيفية إدارة التواصل بيننا.

وأخطاؤنا بعد الاعتذار الصادق عنها، والمحاولة الجادة لتجنبها، من أهم ما يحمي أطفالنا من شبح الكماليّة فلا ينخر أرواحهم.

 

الأحد، 6 أكتوبر 2024

هل هو حقا خوف على الدين ؟

 القراءات الفكرية والأدبية والنفسية التي لا تنتمي إلى نموذجك المعرفي لا تشوش عليه لكنها تغذّيه، وتحكم صلتك به، مادمت محكما لفهم منطلقاتك المعرفية ، مفرّقا بين قطعيات الشريعة وظنياتها، ممتلكا القدرة على الجمع بين تعظيم محكمات الشريعة والتدبّر في رحابة ظنياتها .

‏وكذلك تجاربك التي تخلق لك منظورا جديدا في علاقتك بنفسك والآخرين ، تجعلك تفهم نصوص الشريعة ومقاصدها فهما فيه تجديد ، ولأن هذا هذا المنظور - سواء عبر القراءات أو التجارب- لم يصل إلى من كانت قراءاته و تجربته في الحياة لم تختبر الجوانب التي اختبرتها ، فإنه قد يعد هذا الفهم مهددا لما تعوّده أو نشأ عليه من مفاهيم وقناعات، ويتحول الأمر عنده إلى صراع وجودي تشتبك فيه هشاشة النفس بارتباك في فهم الشرع بحيث تلبس المفاهيم الظنية لباس القطعيات .
‏ لقد عظم ديننا العقل ، وحثنا على الانتفاع من ثمرات الحكمة الإنسانية ، وجاءت البنية التشريعية للشريعة مستوعبة لنمو العقل الإنساني وخبراته.
‏أقرأ ما أفاء الله به على عقول غير مسلمة فأشهد في العلم الذي وُفقت إليه عظمة خالقها وكرمه ورحمته التي تشمل مخلوقاته جميعا مؤمنهم وكافرهم .
‏الانفتاح على عقول الآخرين وتجاربنا وتجاربهم ،وجعل كل ذلك رافدا لتجديد علاقتنا بديننا ، ليس فقط فعلا متسقا مع روح الدين ، ولكنه ضرورة تتصل بمقصد الدين الأعظم في تحقيق مصالح الإنسان، ومراعاة اتساعها، وثرائها ، وتجددها ، رحمة وتيسيرا ورفعا للحرج .
‏وكلامي هنا هو في عمق احترام محكمات الشريعة لا محادّا لها.
‏لدى كثير منّا هشاشة نفسية تفزع من فعل التفكير والتغيير ، وربما نحتاج إلى الصدق والشجاعة لمعرفة من ماذا نفزع؟ ولماذا نبادر بمهاجمة من يطرح فكرا مختلفا بدلا من الإنصات إليه بإنصاف ؟ هل هو حقا خوف على الدين أو هو خوف على مكتسباتنا المتوارثة من الأفكار التي أعطتنا ميزات معينة أو حصرتنا في سياقات معينة الخروج عنها يتطلب منّا وقفة حقيقية مع النفس ، ومع صدق تديننا وصدق نيّاتنا ونزاهتنا الأخلاقية .
‏الدين الذي تعلمته يعلمنا التواضع ، ويعلمنا عدم الاستعلاء الذي يردنا عن الإنصات والاستجابة للحكمة أنّى كان مصدرها ، ويهبنا ترويا وسكينة وسلاما ، واحتراما للمختلف عنّا وإيمانا بأن رحابة الشريعة إنما جعلت لنستوعب رحابة العقل الإنساني أيّا كان رافده.

الثلاثاء، 27 أغسطس 2024

عن الهشاشة الأخلاقية ، قراءة في كتاب : " هشاشة بيضاء، صعوبة أن يتحدث البيض عن العنصرية"

 نشرت المقالة في مجلة الجوبة الثقافية ، العدد 84 ، أغسطس 2024


مزايدات بيضاء

يناقش فيلم الأوسكار "رواية أمريكية" ( American Fiction)[1]  النفاق عند البيض التقدميين الذين يتبنون المساواة العرقية.

 يبدأ الفيلم باعتراض طالبة بيضاء على أستاذها الجامعي الأسود ( بطل الفيلم واسمه مونك)  لأنه كتب على السبورة اقتباسا من رواية تاريخية يتضمن كلمة "زنجي"، وقالت إن إجبارهم على مشاهدة هذه الكلمة طيلة المحاضرة  بما تحمله من دلالات مسيئة هو أمر لا يمكنها احتماله، فيجيبها مونك: إن المحاضرة تتعلق بأدب السود في الجنوب الأمريكي في زمن النظام العنصري، فتجادل الطالبة بأن هذا ليس مبررا مقبولا، فيرد عليها مونك بحزم : لا بأس، مادام يمكنني احتمال ذلك فسيمكنك أيضا.

تخرج الفتاة من المحاضرة غاضبة ومستاءة، وتقدّم هي ومجموعة من الطلّاب البيض شكوى إلى مجلس الجامعة تتسبب في وقف الأستاذ الأسود عن العمل لفترة.

 يشرح هذا المشهد الافتتاحي أن الموقف المتحفز من البيض تجاه كل ما يشير إلى العنصرية ولو كان في السياق التعليمي ليس مزايدة أخلاقية فحسب، وإنما هو جزء من نظام مؤسسي يتحكّم البيض في تصوراته الأخلاقية ويعاقبون من لا يخضع لهذه التصوّرات.

ركّز الفيلم على فكرة أن البيض هم الذين يتحكّمون ماديّا وأدبيا في المجال الثقافي تحديدا، وأنهم يصرّون على تقديم صورة مجتزأة لحياة السود لأنهم لا يريدون إظهار الحقيقة وإنما يريدون الشعور بالبراءة الأخلاقية عبر التسويق لألم السود، لقد كانت الفكرة التي أكّد عليها بطل الفيلم في أغلب المشاهد هي أن للسود قصص أخرى خارج التنميط الأبيض، وأن السلطة الثقافية البيضاء لا تسمح بانتشارها أو تصديرها.  وهذا كله في تقديري إنما هو إشارة خجولة إلى حقيقة أن العنصرية تشكّلت تشكيلا جديدا، فصارت قوة ناعمة، وظاهرة ممنهجة شاملة، بعد أن كانت قوة يعبّر عنها بشعارات فجّة.       

نموذج متجاوز

لقد شاهدت فيلم "رواية أمريكية "بعد قراءتي لكتاب "هشاشة بيضاء، صعوبة أن يتحدّث البيض عن العنصريّة" للكاتبة الأمريكية روبن ديانجلو وهي أمريكية بيضاء متخصصة في تحليل الخطاب النقدي ودراسات البياض ومستشارة التنوع.

وإذا كان الفيلم لم يستوف بيان حقيقة العنصريّة في المجتمع الأمريكي فإن الكتاب قدّم دراسة نفسية واجتماعية متعمقة تتناول العنصرية البيضاء تجاه السود في أمريكا، وتمثّل هذه الدراسة نموذجا متجاوزا لخصوص موضوعها إلى كل ما يتعلق بالتحقق بأخلاق الصدق في النظر إلى الناس جميعا بعين المساواة. والكتاب فيه حفر أخلاقي في بواطن الكبر الخفي في النفس الإنسانية.

تقول المؤلفة روبن ديانجلو: إن التحرر من العنصرية هو عملية مستمرة ومستدامة. اهـ

وهذا يتوافق مع ما يقدمه الإسلام في نموذجه المعرفي – الأخلاقي  من أن التخلص من "أمراض القلب" هو فريضة أخلاقية متجددة.

يشرح الكتاب ظاهرة الهشاشة البيضاء، وكيف تنمو في الإنسان الأبيض، وكيف تعمّق اللامساواة العرقية، وما الذي يمكن فعله حيالها.

وفي ثنايا التفاصيل  قد تشتبك الهشاشة البيضاء في عقل القارىء بما يماثلها من نماذج الهشاشة الأخلاقية المتعلقة بالشعور بالتفوق الذكوري، أو التفوّق الطبقي .

يقع الكتاب في 296 صفحة من القطع المتوسط، وهو من منشورات تكوين، ونشر في عام 2023م ، وصدر بلغته الأصلية في عام 2018م، وترجمته: الأستاذة نوال العلي.

معنى الهشاشة البيضاء

          الهشاشة البيضاء: رد الفعل المتحفز والدفاعي المتمثل في الغضب أو الهجوم أو الانسحاب أو حتى البكاء عندما يُوصف أي فعل قام به شخص أبيض على أنه فعل عنصري، وعدّ طلب المراجعة الأخلاقية اتهاما بالعنصريّة لا يمكن قبوله.

إذن الهشاشة البيضاء هي مصطلح مركّب من أمرين : رد الفعل المتحفّز والدفاعي ، والتنمّر على المراجعة الأخلاقية للسلوك أو الكلام العنصري، وكل ذلك في سياق الهيمنة العرقية البيضاء التي تختزل العنصرية في الأذى المتعمّد من شخص لا يتبنى المساواة العرقية .

          وصورة التنمّر هي إدانة المراجعة الأخلاقية، ولو كانت هذه الإدانة في مظهر ناعم هش عبر البكاء والتركيز على شعور البيض بالذنب، وينتقل الأمر من حق السود في أن يتعرّف البيض على الفعل العنصري، والسياقات والقصص التي تشكّله إلى مواساة البيض على شعورهم بالذنب والخزي.

 الهشاشة البيضاء أكثر من مجرد رد فعل دفاعي إنها هي فعل هيمنة يرسّخ التفوّق الأبيض، والتصورات البيضاء للمفاهيم، والبراءة البيضاء المعلنة والتي لا تقبل المراجعة الأخلاقية.

 وتنبّه الكاتبة إلى أن رد الفعل الهش هذا يكون في أكثر السياقات بعدا عن الاتهام، كدورة تدريبية مختصة بالتنوّع يدخلها البيض للتعلّم عن العنصرية، و يصدر من بيض تقدّميين يرفضون الخطاب العنصري، ويتبنون المساواة العرقية. 

 

العنصرية كنظام متكيّف

تعرّف الكاتبة العنصريّة بأنها  ظاهرة ممنهجة ومجتمعية ومؤسسية بحيث إن الأعراف والسياسات والممارسات الحديثة تقود إلى نتائج عرقية مماثلة لتلك الموجودة في الماضي بينما لا تبدو عنصريّة صريحة، إذ أن جميع أنظمة الاضطهاد قابلة للتكيّف، يمكنها تحمّل التحديات والتواؤم معها وأن تظل محافظة على اللامساواة.

تقول الكاتبة : إذا نظرنا على سبيل المثال، إلى المقياس العرقي للأشخاص الذين يسيطرون على مؤسساتنا، فسنرى أرقاما كاشفة  ( 2016م-2017م)، إذ يسيطر البيض على أكثر من 80 إلى 90 في المائة من مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والتعليمية والثقافية.

 تشرح  هذه النسب أن العنصريّة ليست مسألة أناس " طيبين" مقابل " أشرار" ، إنها تمثّل قوة وسيطرة مجموعة عرقية لديها التمكين التام لحماية صورتها الذاتية ونظرتها إلى العالم ومصالحها عبر المجتمع بأكمله. تعد التمثيلات الإعلامية من أكثر الطرق فعالية لنشر التفوق الأبيض، ولها تأثير عميق في كيفية رؤية الأمريكي الأبيض للعالم :" أولئك الذين يكتبون الأفلام ويخرجونها هم رواة ثقافتنا.. بالنظر إلى أن أغلب البيض يعيشون في عزلة عرقية عن الملونين ( والسود على وجه الخصوص) وأن لديهم القليل جدا من العلاقات الحقيقية التي تختلط فيها الأعراق، فإن البيض يتأثرون بشدة بالرسائل العرقية في الأفلام وهي رسائل ضيّقة وإشكاليّة، ويتم نشرها وتداولها عالميّا". اهـ بتصرّف.

          إن جعل العنصرية سيئة وفقا لثنائية ( طيب/ شرّير) يبدو تغييرا إيجابيا، لكن العنصرية أعقد من أن تختزل في الفعل المتعمّد الذي يصرّح صاحبه بدعم التمييز العرقي.

يقول علماء أصول الفقه إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والتصوّر الشائع عن العنصرية عند البيض التقدميين يختزلها في الأذى الفردي المتعمّد الناتج عن كراهية واعية لشخص ما بسبب عرقه، ولا يعرّفها كظاهرة مؤسسية ممنهجة، فإذا كان البيض يركنون إلى هذا التصوّر المختزل في فهم العنصريّة، فهذا لن يساعد على اجتثاثها بل سيؤول الأمر إلى أن تلبس ثياب زور، تؤذي أذى خفيا وحادّا ، يُدان من يراجعه أخلاقيا.

العنصرية المراوغة

يمارس البيض التقدميون عنصرية مراوغة تسمح لهم بالحفاظ على صورة ذاتية إيجابية، وهي مراوغة لأنها تتعارض مع المعتقدات الواعية للمساواة العرقية والعدالة، العنصرية المراوغة داخلية ولكنها ماكرة، من أمثلتها : التحدث عن الفصل العرقي على أنه أمر مؤسف لكنه ضروري لتأسيس مدارس " جيدة "، وتبرير أن أماكن العمل لدينا كلها تقريبا بيضاء لأن الأشخاص الملونين لا يتقدمون بطلبات، تجنب اللغة العرقية المباشرة واستخدام مصطلحات مشفّرة عرقيا مثل : أحياء خطرة، أحياء جيدة، تبرير اللامساواة بين البيض والملونين بأسباب أخرى غير العنصريّة.

إن الانحياز العرقي هو شعور لا واع إلى حد كبير، وهنا يكمن التحدي الأعمق، ومن هنا يأتي الموقف الدفاعي الذي ينجم عن أي تلميح بالانحياز العرقي. وهذا الموقف الدفاعي ليس إلا هشاشة بيضاء كلاسيكية لأنه يحمي تحيّز البيض وفي نفس الوقت يؤكد على هويّتهم المنفتحة، تقول الكاتبة وهي أمريكية بيضاء:" نعم ، من المقلق والمزعج أن نواجه جانبا  لا نحبّه من أنفسنا، لكن لا يمكننا تغيير ما نرفض رؤيته... يفترض البيض افتراضا خاطئا وهو لا يمكن أن نكون طيبين ونشارك في العنصرية في آن واحد، وهذا الافتراض الخاطئ يجعلهم يلقون الكلام على عواهنه عند التحدث مع السود أو يحجبهم عن رؤية أخطائهم العنصرية أو قبول مراجعتها بعقل منفتح" . اهـ النقل بتصرف واختصار.


 الهشاشة البيضاء وقواعد الحوار

          تتبنى الهشاشة البيضاء قواعد تجعلها أساسا للحوار المتحضّر الذي يحفظ للتقدّمي الأبيض حقه في عدم الوصم أو الاتهام بالعنصرية، من أهم هذه القواعد ، قاعدة الاحترام ، الإشكال أن ما يشعر البيض أنه احترام، لا يخلق بيئة محترمة للملونين : " على سبيل المثال، عادة ما يعرّف البيض البيئة المحترمة بأنها بيئة بلا صراع، وخالية من التعبير عن مشاعر قويّة، وتخلو من المواجهة مع التنميطات العنصريّة، وتركّز في نوايا "المتحدّث"  أكثر من تأثير أفعاله على الآخرين . لكن مثل هذا الجو هو ما يخلق بيئة زائفة تتمحور حول المعايير البيضاء، وبالتالي فإنها بيئة معادية للملونين" .

          لا تأخذ هذه القواعد في الحسبان علاقات القوة غير المتكافئة، وهي ترسّخ الوضع العرقي الراهن: ( مركزية البيض، والهيمنة، والبراءة المعلنة) .

          تقول الكاتبة: إن تجاهل المُرسِل ( المتحدّث) والتركيز على الرسالة مهارة متقدّمة وتصعب ممارستها، خاصة إذا جاء إلينا شخص بنبرة المتفوّق أخلاقيا. حق " اللطف" لا ينبغي أن يزاحم حق " الوضوح " في تسمية العنصرية ومواجهتها، والتركيز على " اللطف" ، وجعله مقدّما على :" الوضوح" في تسمية الفعل العنصري المراوغ يحمي الهشاشة البيضاء ولا يعالجها .

          ينشأ البيض في المجتمع الغربي ضمن نظرة تفوّق " بيضاء" إلى العالم، وهي حجر الأساس للمجتمع الأمريكي ومؤسساته، نعم يتحدّث البيض التقدميون أن الجميع متساوون، ويؤكدون على قيمة التنوع ، لكن هذا الحديث لا ينفذ إلى العمق، ولا يقوى على تجنّب المعتقدات الباطنة بتفوق البيض والتي تدعمها وترسخها سياسات الدولة .

          إن الشجاعة في التعرّف على الجوانب الخفيّة للعنصرية والتي تتجلّى في التصرّفات والأحاديث المراوغة ، وتدريب البيض أنفسهم على الصبر على الصعوبة النفسية في تخطي ميراث نفسي واجتماعي متجذر وملتبس هو أمر محرّر، ويسمح لهم  بالتركيز في كيف تتجلى العنصرية في سلوكهم وليس فيما إذا كانوا عنصريين حقا ؟


"إن لصاحب الحق مقالا"  

          الكتاب هو رحلة جادّة في تعلّم كيف تكون عادلا، ورفع الوهم المتعلق بأن الأمر سهل  لا تعقيد فيه، ودرء ما قد يشتبه على بعضنا من أن اللطف وحده كاف في مسألة التحقق بخلق النظر إلى الآخر بعين المساواة. أو أن التدرّع بالكلمات التي تتبرأ من التمييز العنصري أو الذكوري أو الطبقي كاف في تحقيق العدالة، وصياغة وعي جمعي جديد يساوي بين الناس ولا يفرّق بينهم .

لقد وجدت أني استدعي النموذج المعرفي الذي جاء به الإسلام في ثنايا المسائل الأخلاقية التي يفصّلها الكتاب، وأعيد التفكير  تعمّقا وتدبّرا ومقابلة ، ووجدت أن المشترك الأخلاقي غالب في التفاصيل كما أنه متحد في الفكرة العامة وهي المساواة بين الناس. ومن المسائل التي تتوافق مع النموذج المعرفي الذي جاء به الإسلام ما أكدت عليه الكاتبة روبن ديانجلو من أهمية قبول البيض للمراجعة الأخلاقية في تعاملاتهم مع السود، وأن تحمّل المسؤولية الأخلاقية يقتضي التركيز على تصحيح المواقف العنصرية وليس الانشغال بدرء تهمة الخطأ العنصري بما يقتضيه من شعور بالخزي.

يخلق النموذج المعرفي في الإسلام سياقا من الدعم الأخلاقي للمطالبة بالحقوق، ومراعاة حال صاحب الحق بما يجعل ميزان العدالة مستقرّا، فــــــ" إن لصاحب الحق مقالا" كما ورد في الحديث الصحيح،  ولكأن إهدار هذه المراعاة فيه ترسيخ لإهدار الحقوق، وتبرير مراوغ يؤول إلى التشويش على صاحب الحق.

وفي عالمنا المسلم، هشاشات أخلاقية تحتاج إلى وقفة صادقة، ومن ذلك التشنج من بعض العقلاء حيال الدعوة إلى المراجعة الجادّة لتجليات الاستعلاء الذكوري أو الطبقي في الثقافة الاجتماعية ؛ بسبب الالتباس المفاهيمي، وسأضرب مثالين لهذا الالتباس : أحدهما : التباس القوامة  بالتسلط، و الثاني : انتقال شرط الكفاءة في النسب في الزواج من كونه وسيلة إلى تحقيق السكن والاستقرار بين الزوجين إلى مقصد يطلب لذاته.

وهذا التشنّج لا يقتصر على الرجال فحسب ، بل تشترك معهم فيه نساء ، وقد جمعهم التصور الملتبس للمفاهيم وتوهّم أن مراجعة هذا التصوّر هو محادّة للدين . ليس مقصودي هنا هو الإدانة الأخلاقية، وإنما الدعوة إلى الإنصات الجاد إلى البحث الفقهي التجديدي المرتكز على منهج أهل العلم.

ما يحدث الآن في مواجهة البحث الفقهي التجديدي هو نوع من الهشاشة الأخلاقية بتعبير روبن ديانجلو، وهو وفقا لأخلاقنا الدينيّة تقصير من الرافضين للتجديد في التعرّف على العوائق النفسية التي تحول بينهم وبين مراجعة تصوّراتهم وتحريرها، وحجب للعقل والقلب عن سماع حجة أهل التجديد -المنضبط بضوابط أهل الاجتهاد- وعدّ كلامهم عن الظلم مشوّشا – في أحسن وصف-.



[1] حاز الفيلم على جائزة الأوسكار( 2024م) عن أفضل سيناريو مقتبس. والفيلم من تأليف الكاتب الأمريكي بيرسيفال إيفريت جيمس، وقد اقتبس من رواية لنفس الكاتب، والفيلم من إنتاج ستيفن سيلبرج، وإخراج: كورد جيفرسون، وبطولة : جيفري رايت.

الأحد، 18 أغسطس 2024

أسئلة التغيّر

 

تتغير أفكارنا ، وهذا التغيّر علامة نضوج، وأرجو أن يكون علامة صدق ، أهل التزكية يتحدثون عن الثبات كعلامة على جمود الروح ، يذكرون ذلك في سياق أحوال النفس وتقلباتها في طرائق الخيرات.

          لكن التغيّر له ميزانه، هناك تغير هو علامة على تشوش النفس والأخلاق، وتغير آخر هو جزء من النمو الإنساني الكلي ، وأظن أن علامات الأول التطرّف في التقلب في الأفكار، بما يصحب ذلك من أخلاق الجفوة والكبر والمزايدة .

          تغيّرت عبر السنوات، تغيّرت أفكاري ، وكان بعض هذا التغير هو تبع لنضوجي الإنساني ، وخبرات الحياة في سرّائها وضرّائها ومسؤولياتها وأثقالها .

          قرأت قبل أشهر كتاب : ( من قام بطهي عشاء آدم سميث ) ، فيه لقطات ذكيّة، لكن هذه اللقطات لا تجعلني أتبنى ما تقرره الكاتبة من مسائل تتعلق بموقفها من عالم الاقتصاد، لست متخصصة في الاقتصاد ، ولا أستطيع أن أسلّم بالنقد مهما بدا لي منحازا للقيم الأخلاقية، الأمر ملتبس ومركّب وليس بسيطا كما نسمعه ممن يتحدثون عن الحياة الاقتصادية المعاصرة وتشييئها للإنسان ، كلام فيه كثير من المجازفات ، عقلي المنهجي لا يقبله .

          عندما قلت رأيي هذا لمن أوصتنا بالكتاب ، لم يعجبها، بدا لها أني أفكر بتقليدية بليدة ربما ، وغادرت المجموعة لأن النفس الثوري يقف كحجر عثرة أمام أي انتفاع من تداول الأفكار .يقدّم طلب التغيير ، ولكأنه فضيلة تطلب لذاتها، وليس وسيلة لمقاربة الحق ، وسيلة توزن بميزان ما تؤدي إليه.

          في مقدمة كتاب ( تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع) كلام مهم من عالم راسخ عن فساد التوجه الثوري ، ونفسية الصراع، وأن ذلك ينبو عن الروح التي جاء بها الدين.

          يبدو طلب التغيير أحيانا كمسكّن إدماني أسهل من أن يقيس المرء الأمور بميزان الحكمة ، وأن يؤدي واجباته في المجال الشخصي والأسري ، وأن يسلّم للحياة بتعقيداتها التي تحتاج إلى موازنة الأولويات وتقدير واع للمصالح والمفاسد.

          لذلك يراجع العاقل بواعثه، ويراجع مآلات مواقفه، ويراجع قيمه الأصلية ، واتساقه مع النموذج المعرفي الكلي الذي يتبناه ، ولا يحيد عن الحق لزهوة رأي أو بهرجته أو بلادة أدلجة حزبية .

          ولا زلت أطلب من الله السداد، وأن يجعلني ممن لا يحيدون عن طلب الحق لعارض مزوّر ، ولا زلت أتعلّم كيف أقترب من كل ما يقرّبني إلى الإنصاف والحكمة .