22 يونيو، 2009

حكايتي مع المقاصد

البداية الأولى لقراءتي في موضوع المقاصد هو كتاب الاجتهاد النص المصلحة الواقع للدكتور الريسوني والأستاذ جمال باروت في سلسلة حوارات لقرن جديد من منشورات دار الفكر ودار الفكر المعاصر
॥ بالطبع استفدت من كلام الدكتور الريسوني لكني خرجت منه بأن المسألة لم تنضج عنده بعد ॥ فهو ينتقد الفقهاء ولا يقدم حلولا منضبطة فيما رأيت ॥ كما أن في بعض ما طرح الأستاذ باروت ما لم يقدم الدكتور الريسوني إجابة مقنعة له
بعدها قرأت في موافقات الإمام الشاطبي ॥ وأضاف إلي أفكارا مهمة ॥ في الواقع هو بمثابة ضبط لسياقات كلام الفقهاء ॥ لم أقرأ الكتاب كاملا لكني قرأت قسطا كبيرا منه ॥ ولدي وقفات مع بعض التقريرات التي أوردها .. لاحظت مثلا أنه يناقش كلاما للإمام القرافي في اتباع الرخص دون أن ينسبه إليه .. ففكرت لم ؟ لعله أراد لمناقشة الفكرة دون نظر إلى قائلها لا سيما أنه يخالفه .. لاحظت أيضا أن الدكتور عبد الله درّاز نقل كلاما نسبه لبعض العلماء في حاشيته على الموافقات ، وكان النص الذي نقله هو من كلام الإمام الشاطبي نفسه في الجزء الأول من الكتاب.. الخوض في التفاصيل حول قراءتي للموافقات قد أفرد لها مدونة مستقلة
। قرأت بعد ذلك كتاب المقاصد للإمام ابن عاشور ॥ لكني لم أقرأه بالشكل الصحيح ॥ كنت أقرأ ومعي قلم أكتب به ملاحظات على غلاف الكتاب من الداخل ॥ وكتاب ابن عاشور يستحق دراسة مفصلة ॥ وأن تكتب الفقرات المهمة كتابة في دفتر يخصص لهذا الغرض
بعدها انتقلت للقراءة في مبحث المناسبة والإخالة من كتاب القياس في شرح الكوكب المنير ، وفي المستصفى ، والبرهان ، وتنقيح الفصول ॥ ما أرشدني إلى ذلك هو الإمام ابن عاشور ॥ فقد ذكر أن مبحث المناسبة والإخالة عند الأصوليين ضرورية لفهم مقاصد الشريعة .. وأن طلبة العلم لا يصلون إلى هذه المباحث إلا وقد أحسوا بالملل فلا يوفونها حقها .. كنت وقتها أكتب ملاحظات في مفكرة خاصة
بعد ذلك قرأت ( نظرية المقاصد) عند الإمام الشاطبي للدكتور الريسوني وقد كتبت بعض ملاحظاتي على الكتاب .. لكن عموما كتاب د। الريسوني لا يغني أبدا عن قراءة الأصل لكن اقتناء الكتاب مفيد لأجل الفصلين الأخيرين خاصة ..
والآن جاء دور المبحث الذي يتناول المقاصد في بحثي ॥ فكان لا بد لي من قراءة مقاصد ابن عاشور للمرة الثانية.. لكني لعجلتي لم أقرأ الكتاب بالشكل الذي ينبغي أن يقرأ به ومع ذلك حاولت أن أسدد وأقارب وانتبهت لمسائل مهمة لم أتنبه إليها في القراءة الأولى .. وأعود وأقول هذا الكتاب مهم جدا ويحتاج إلى دراسة مركزة..
بعدها انتقلت للموافقات وبالطبع القراءة الثانية كانت أكثر تركيزا ॥ بعدها انتقلت إلى القراءة الثالثة تقريبا في " صناعة الفتوى وفقه الأقليات " للعلامة بن بيه ، هذا الكتاب نفيس جدا ، ومن العجيب أن أحد الأصدقاء قال لي : إن الكتاب قد حشاه الشيخ بالنقولات التي جعلته قليل الفائدة । كلام صديقي هذا خاطىء تماما فالكتاب نفيس جدا ، وفيه ضوابط لا يقررها إلا عالم فذ .. والنقولات هي جزء من الشخصية العلمية للعلامة بن بيه حفظه الله التي تتميز بعمق التأصيل وشدة التواضع . المشكلة أن من لا يصبر على قراءة الكتاب يظن أن النقولات حشو لا قيمة حقيقية له
بعدها انتقلت لقراءة مبحث الاستصلاح في المستصفى ، وقمت بتلخيصه، وأشعر بالاحترام الشديد لاتساق نظرة الإمام الغزالي للموضوع ، اتساق مع موقفه من التحسين والتقبيح ، ومع موقفه من الالتصاق بالنص ، لقد ذكرني ما قرأت بمناقشة الإمام الغزالي في الإحياء لموضوع المعازف ، نفس النظرة والروح لا اختلاف ولا اختلال
فعلا أشعر بالفضول لقراءة تعليقات الإمام القرافي في نفائس الأصول على المحصول في موضوع المصلحة المرسلة لأني أذكر أنه انتقد الحملة التي شنها إمام الحرمين على التوسع في الأخذ بالمصلحة ، وقال إن إمام الحرمين فعل في الغياثي ما كان يرفضه في البرهان ॥ كلام الإمام الغزالي في المستصفى منضبط طبعا ، وفيه نقاط مهمة لا تغني عنها القراءة في الكتب المعاصرة
وقبل أن أنتقل إلى نفائس الأصول لأضبط وجهة المالكية في الأخذ بالمصلحة المرسلة ، لا بد لي أن أقرأ في كتاب الأستاذ علي حسب الله " أصول التشريع الإسلامي " فقد كتب كلاما نفيسا في مبحث القياس قرأته منذ مدة وأحتاج إلى مراجعته لا سيما تعليقه على تقسيمات الإمام الغزالي للمناسب
من المهم التنبه أيضا إلى أن الطالب إذا وجد عالما يدرس على يديه كتاب القياس فسيستفيد كثيرا ॥لم ييسر الله لي ذلك وبالتالي لم أستطع فهم كافة المباحث .. في الحقيقة كثير من الكلام كان صعبا علي .. لكن ضميري مرتاح لأني بذلت جهدي ... لذلك من يستطيع أن يحصّل عالما يدرس عليه كتاب القياس ولا يفعل فيجب أن لا يكون ضميره مستريحا أبدا إذا كان يريد فعلا الكتابة في المقاصد أو دراستها
لماذا أكتب هذه الرحلة .. لأني استفدت منها في طريقة نظرتي لموضوع المقاصد ، ولعل طالب علم تفيده حكايتي هذه فيدعو لي دعوة صالحة أنتفع بها صلاحا في حياتي وديني ودنياي .. وسأعود بإذن الله في مدونة لاحقة لأكمل بقية الحكاية .. وصباحكم إنجاز ..

21 يونيو، 2009

وكيف لا أشتاق ؟ ج2

زارني اليوم شيخي في المنام ، كم أفتقده ، كنت أفكر أنه غاضب مني لسبب أو لآخر ، لكنه لم يكن كذلك اليوم ، كان هادئا كعادته ، ويحدثني باهتمام وطيبة
سألني : ماذا كتبت ؟ كدت أن أقول له : دعني أتمم المبحث الأصولي أولا يا شيخي ثم أرسله إليك ॥ تذكرت أن تلقائيتي قد أفقدتني إتمام حوار مهم مع الإمام الرازي بالأمس ॥
ما أن هممت بالإجابة على سؤال شيخي حتى أيقظتني خديجة بنت أختي لتطلب مني أن أشتري لها : مجلة " فتيات" ॥
أنهيت مكالمتي المحمولية مع خديجة وإخوتها سوى عمر ॥ ابن أختي البالغ من العمر سبع سنوات .. الذي اعتذر عن الحديث معي لأنه " يفكر" ولا يستطيع أن يتحدث الآن!
وشكرت خديجة في سري لأنها أيقظتني ، فلم أكن أريد أن أطلع شيخي على ما كتبت الآن ॥ أريد أن أكمل البناء أولا ثم أناقشه بعد أن تكتمل " أفكاري" يبدو أني ك" عمر" ابن أختي أو هو مثلي ربما ..
الكتب كما البشر بعضها يألف ويؤلف وبعضها " غلس ودمه تقيل" ॥ وتأدبا سأحكي عن من يألفون ويؤلفون ॥ مشاعر حب عجيبة أكنها للإمامين الجويني ( إمام الحرمين ) ، والغزالي ॥ مشاعر مختلفة عن تلك التي أحسها وأنا أقرأ للإمام القرافي أو لـ" الإمام " .. أحب نفائس الأصول والمحصول لكن حبي لهما حب هادىء .. حب أقرب إلى حب الجيرة الطيبة .. حب يختلف تماما عن الشعور بالصداقة العميقة ، والألفة العقلية والروحية المتجذرة
قد أختلف مع الإمامين الجويني والغزالي ॥ لكنهما يأسرانني ॥ المستصفى للإمام الغزالي ..كتاب رائق .. رائق في طريقة الطرح .. وفي الود الذي تشعر أن الإمام الغزالي يحدثك به .. ليس الود فقط لكنك تشعر أنه يفكر معك بصوت عال .. ويتكلم ويكتب في نفس الوقت .. فتخرج عباراته محكمة وتفريعاته منضبطة .. كأنك تشرب قهوة من نوع ممتاز جدا .. كيف سيكون دماغك حينها ؟
وهو مع ذلك خاشع متأدب مستصحب لمعنى عبوديته لله ॥ ومعنى التلقي عن سلسلة نوارنية متصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهذه الروح التي يكتب بها والتي تجعل العقل والقلب صديقين حميمين ستجدها أيضا في " الاقتصاد في الاعتقاد " .. حسنا أنا أحبه بجد .. رغم أني لم أقرأ في ترجمته إلا قليلا وكان ذلك من سنوات طويلة .. لكني فعلا مشتاقة للقراءة عنه .. قراءتي للمستصفى جعلتني أشعر أني أعرفه ..كأني أجلس بين يديه وهو يحاضر أمامي محاضرة تأسر عقلي لكنه ذلك الأسر الذي يستفزك للحرية حرية التفكير وحرية النقاش ربما كلمة " الأسر" لا تناسب تماما الحديث عن الإمام الغزالي هو فقط يجعلك تنطلق .. لا يحجر عليك .. كما يفعل أحيانا إمام الحرمين في البرهان .. يناقش قضية ما ويشبعها نقاشا كما يتصور هو ثم يقول إن من لم يقتنع بعد ذلك فذلك لفرط غباوته..
"الإمام" الرازي يفعلها أحيانا يورد اعتراضات المخالفين مفصلة ثم يقول : ما ذكروه تشكيك في الضروري فلا يستحق الجواب॥
لا أملك إلا أن أبتسم حينها ॥ وأدعو لهما .. وأقرر أن أعاتبهما عندما نلتقي .. نعم سأفعل وسيتقبلان ذلك مني دون أن يصمانني بالغباء أعتقد أن الزمن سيجعلهما أكثر رفقا وصبرا ..
الإمام السبكي سمى كتاب " البرهان" لإمام الحرمين لغز الأمة أو كما قال ॥ وأعتقد أن هذه التسمية تصد عن قراءته .. وهو لا يستحق ذلك .. ربما أسلوبه معقد بعض الشيء نسبة إلى أسلوب الإمام الغزالي في المستصفى مثلا .. لكن الكتاب جميل فعلا .. وتعبيرات إمام الحرمين ذكية ورشيقة ، وتفتح آفاقا للفهم لأنها ليست جامدة بل تشعر أن العبارة فيها حركة وصورة .. انظر قوله عن الإجماع المستند إلى الظن : قال إن ذلك لا يمتنع إذا كان " في الجليات التي تبتدرها العقول ابتدار اليقين "
لقد أسكرتني عبارته هذه فعلا ॥ وانظر أيضا إلى كلامه في كتابه " غياث الأمم في التياث الظلم " المسمى ب" الغياثي " يقول إنه لن يحترم نفسه إذا كان فيما يكتبه ترديدا لأقوال السابقين دون إضافة حقيقية بالطبع هو لم يقل العبارة بهذه الألفاظ .. لكني سأنقل لكم عبارته في المدونة القادمة .. لأني تعبت الآن .. ومساؤكم رضا

20 يونيو، 2009

وكيف لا أشتاق ؟ ج1

كان جالسا على يميني .. يكتب ..أختلس إليه النظر فأراه عاقدا حاجبيه عجبا وتأملا وغيظا أحيانا من صولات الإمام الرازي في مبحث الإجماع من "المحصول" ..

يرفع الإمام القرافي عمامته ويردها ثانية في توتر ظاهر॥ أتنحنح فيلتفت إلي بابتسامة فيها الكثير من الرحمة الممتزجة بالوقار ..

أقول له : لا أفهم لماذا يفعل بنا الإمام الرازي هذا ؟ أشعر أني ألهث وأنا أجري وراءه وأتبعه من مبحث إلى مبحث وهو لا يكلف نفسه عناء التوقف ليرحمني من ملاحقته ॥ ويوضح لي ولو بعضا مما غمض علي..

لا تفارقه الابتسامة الطيبة الوقورة وهو يقول مشفقا : إنه " الإمام " يا ابنتي ، فقط التزمي الصبر والأدب وسيفتح الله عليك

॥أتذكر أن الإمام القرافي لا يسمي الإمام الرازي إلا " الإمام " ॥

يلملم أوراقه ॥ ثم يعطيها لي قائلا: هذا هو شرحي لمبحث الإجماع -أردت أن أعطيك نسخة بخط يدي- ادرسيه بتأن ستجدين فيه كلاما مهما .. ماذا تقرئين الآن ؟

قلت : اقرأ كلامك على تعريفات العلم والظن والأمارة । . قال لي: جيد ، بعد دراسة نقدي "لكلام الإمام" راجعي تنقيح الفصول ستكتمل لديك الصورة في المسائل التي تدرسينها॥

قلت : حاضر ॥

قال : تابعي يا ابنتي تابعي ।

رجعت إلى القراءة وابتسامة الإمام القرافي لا تفارقني ॥ الابتسام معد بالمناسبة.. لكنها عدوى جميلة تطيب بها الروح .. ألقي نظرة على الأوراق خطه طيب ووقور كصاحبه। .

" إنه الإمام" تظل عبارة الإمام القرافي عن الإمام الرازي تتردد في ذهني- رغم مرور يومين على حوارنا -كنت أقرأ في المحصول من "اللاب توب"॥

تظهر نافذة من الماسنجر ॥ النيك نيم " العلم بحر لا ساحل له " ..

يقول لي : أنت أمام خيارين إما أن تستلمي للمباحث الأصولية وتتقبليها كما هي ॥ وحينها ستخيبين أملي.. وإما أن تعملي فكرك تحليلا وربطا وجمعا ।

لا أراك مخيبة ظني ॥

كنت أقرأ الكلمات وأسمع صداها يتردد في عقلي ॥ صوتها له رنة قوية وواثقة وهادئة ..

أحسست أنه " الإمام" وقبل أن أسأله قال لي نعم يا ابنتي أنا الرازي ॥ لا تخذليني فالجري الذي جعلتك تلهثين بسببه لا أريده أن يضيع هباء ..

سألته : لكن لماذا يا " إمام" هذا التناقض...

لم يرد ॥ رحل فجأة كما ظهر فجأة

॥ هل جاوزت الأدب لما وصفت اختلاف أقواله في المسألة الواحدة تناقضا ؟

كتبت له : أعتذر بصدق عن سوء اختياري للكلمات ॥لم يرد ॥ لقد رحل ॥

لكنه سيعود ॥ أنا واثقة من ذلك ॥ هو يعلم كم أقدره ॥ وكم أنا معجبة بعقله॥

الإمام القرافي سيعود أيضا ॥ أشعر بروحه ترافقني الآن فعلا ॥

أنا فعلا أشعر بالشوق إليهما ... وأتوق إلى مجالستهما ॥

أعدكما لن أكثر الأسئلة .. سأستمع أكثر .. لكني أيضا سأسأل.. فقط لن أكثر الأسئلة .. هذا ما أعدكما به ..

02 يونيو، 2009

صورة جديدة بدون حجاب

لا أدري تصنيف هذه السطور المعنونة ب( صورة جديدة بدون حجاب) ( صحفيا) التي كتبها عمرو عزت ، هل هي مقالة أم تحقيق ؟ لكن ملاحظتي الأولى هي : ( الرصد) هل يعد موقفا ؟ لا أرى الأمر كذلك ، بمعنى أني أعتقد أن الصحفي لا بد أن يكون له رأيه ( الصريح ) ، إما قبولا أو رفضا أو تصريحا بالتوقف ، وليس ( الرصد ) رأيا ॥ هذا رأيي ... الامر الثاني هو أن سطور عمرو عزت أثارت عندي وقفات من المهم جدا أن أكتبها وسأفعل بإذن الله لكن ليس الآن ... إذن لدي موقف من سطور عمرو لكني لن أصرّح به إلا في الوقت الذي أراه مناسبا ॥ وإلى ذلك الوقت أترككم مع صورة جديدة بدون حجاب

10 مايو، 2009

عن العشق والهوى

هذا بعض ما كتبه علامة حضرموت ومفتيها السيد عبدالرحمن ابن عبيد الله السقاف – المتوفى عام 1375هـ-عن العشق والهوى وفيه فقه للمتأمل فضلا عن الأنس بالأدب الجميل ..ولعلي أعود للكتابة يوما عن ذلك .. قال رحمه الله في :( العود الهندي عن أماليّ في ديوان المتنبي )وهي مجالس أدبية في ديوان المتنبي من إصدارات دار المنهاج في ثلاثة مجلدات ": ( ج2/ص222) :

(وكان الفضيل بن عياض يقول لو أن لي دعوة مجابة لدعوت الله أن يغفر للعشاق ، لأن حركاتهم اضطرارية لا اختيارية ..

ورئي أبو السائب المخزومي متعلقا بأستار الكعبة ، وهو يقول – كما في روضة المحبين ص134- اللهم ، ارحم العاشقين ، وعطف عليهم قلوب المعشوقين ، فقيل له في ذلك : فقال : والله للدعاء لهم أفضل من عمرة من الجعرانة ( وهي كما ورد في الحاشية موضع بين مكة والطائف على سبعة أميال من مكة ) ...

وفي مجرد النظر كلام يطول ، وفيناه حقه من التحقيق في كتابنا " بلابل التغريد " حينما تكلمنا على ما جرى للفضل بن عباس مع الخثعمية ، وهو رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومنه قول الإمام الرافعي : النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها حرام مع خوف الفتنة وإلا فوجهان : الأول : قال أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون : يحل لقول تعالى ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) وهو مفسر بالوجه والكفين ، لكن يكره ، قاله الشيخ أبو حامد. والثاني : يحرم ، قاله الأصطخري وأبو علي الطبري ، واختاره الشيخ أبو محمد ، وبه قطع صاحب المهذب

ويروى أن معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنه – اشترى جارية من البحرين ، فأعجب بها إعجابا شديدا، ثم سمعها يوما تقول :

وفارقته كالغصن يهتز في الثرى

طريرا وسيما بعد ما طر شاربه

فسألها من هو ؟ قالت : ابن عم لي، فردها إليه ، وفي قلبه منها حر النار. ...

ويروى أن زبيدة استمعت في حجها لصب يترنم بأبيات ، فجمعت بينه وبين عشيقته ، واعتدت ذلك من أفضل أعمالها ... أما ما يتعلق بالعفاف : فمن خير ما فيه حديث الشيخين ، في الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار ।

... وعشق الرشيد جارية فلما راودها عن نفسها قالت له : إن أباك قد ألم بي ، فكف عنها حتى كادت تتلف نفسه ، فقال :

أرى ماء وبي عطش شديد

ولكن لا سبيل إلى الورود

فقال له بعض القضاة : أو كلما قالت جارية شيئا صدقتها ؟ قال بعضهم : فتعجب من ورع الجارية ، وعفة الرشيد ، وسوء نية القاضي ، وسقوط نفسه . ...

وافتتنت امرأة من العرب بفتى ، فدعاها يوما ॥ فأجابته ، فغنى مغن عندهما بهذا :

من الخفرات لم تفضح أخاها

ولم ترفع لوالدها شنارا

فقالت : معاذ الله أن أتدنس بما يجلب المذمة بعد هذا ، ثم بعثت للفتى بألف دينار ، وقالت : هذا مهري ، فإن أردتني فاخطبني من أهلي ।

ولما اشتد المرض بعمر ابن أبي ربيعة بكى أخوه ، فرفع إليه طرفه ، وقال : لعلك تشفق علي مما تظن ، بسبب ماتسمع من شعري ، قال : نعم ، قال : ما أملك عتق إن كنت وطأت امرأة حراما قط ، فقال : الحمد لله ، لقد هونت علي الأمر ।

وقال أبو زيد : كان الرجل إذا عشق امرأة ، فراسلها سنة رضي بأن تمضغ علكا فتبعثه إليه ॥

...

وقد ذكرنا في " بلابل التغريد" جملة صالحة من أشعار العرب في العفاف لا بأس إن أعدنا منها ما يقتضيه الاستطراد في مجلس آخر .. ...

وسمع بعض النساك امرأة في المطاف تقول لأختها

لا يقبل الله من معشوقة عملا

يوما وعاشقها غضبان مهجور

فقالت الأخرى

وليس يأجرها في قتل عاشقها

لكن عاشقها في ذاك مأجور

فقال لهن : في مثل هذا الموطن تقلن هذا ؟ فقالت له إحداهن : إليك عنا ، فإنه الحب ، قال : وما هو ؟ قالت- كما سبق في المجلس الأول - :

جل عن أن يخفى ، وخفي عن أن يُرى ،

فهو كامن في الأحشاء كمون النار في الزناد ،

إن قدحته ورى ، وإن تركته توارى

ثم أنشدت قول جرير ...

حور حرائر ما هممن بريبة

كظباء مكة صيدهن حرام

يحسبن من لين الحديث زوانيا

ويصدهن عن الخنا الإسلام ) اهـ النقل ..

03 مايو، 2009

وقت ممتع أستحقه

حان وقتي الممتع للارتحال عن جدية المذاكرة .. هكذا كنت أفكر ليلة أمس وابتسامة طفولية مشاغبة أشعر بها ترسم على وجهي تعبيرا هو مزيج من الإثارة والشوق .. لقد كان يوما مرهقا بحق مع الإمام القرافي في نفائس الأصول .. كلما قرأت في كتاب جديد يزيد يقيني بحبي للمستصفى .. يبدو أن إحساسنا تجاه الكتب تماما كما البشر .. لا تزيدنا مفارقة من نحب إلا تأكيدا لشعورنا نحوهم ، وإيماننا بهم ، وحماسنا لهم .. تسللت إلى سريري بهدوء وأنا أمسك بمصباح القراءة الصغير .. كم هو ابتكار عبقري .. مكنني من القراءة في سريري دون أن أزعج أختي التي تنام معي في نفس الغرفة .. المصباح بالمناسبة ستجدونه في جرير بعشرين ريالا فقط ..

كنت غاية في الإرهاق لكن لم أكن لأنام دون بعض التسلية المشوقة .. قصص قصيرة لأجاثا كريستي لا يوجد ما هو أجمل منها في مثل هذا الظرف .. " شركاء في الجريمة " كانت لطيفة ومؤنسة وباعثة على الحماس والارتحال عن الواقع الجاد ..متعة أحسست أني أستحقها بجدارة بعد ساعات طويلة من التركيز في مسائل أصولية معقدة .. حسنا أنا أبتسم الآن .. لا أريد أن أشعر بالقلق تجاه رسالتي أو شيخي أو أدائي .. لست آلة .. سأعمل بجد لكن لن أضغط على نفسي حتى تجف .. لا أريد أن أتحول إلى أرض جدباء مشققة من الغوص في مسائل الأصول .. شعور برحمة الله أشعر به يحفني الآن .. لا ليس وهما بل حسن ظن بالله..

وقعت أمس قدرا على كتاب للإمام ابن عاشور فيه تعليقات على صحيح البخاري ॥الكتاب من منشورات دار السلام ووجدته في مكتبة المؤيد .. كم هو كنز ثمين .. سأحكي لكم عنه بإذن الله لكن ليس الآن ..
غدا ستستضيف إثنينية الأستاذ عبد المقصود خوجه الدكتور محمد سليم العوا ॥ أريد أن أذهب وفي نفس الوقت سيضيع وقت كثير المذاكرة أولى به .. لكن كيف أفوت حضور محاضرة فيها الدكتور العوا ؟

27 أبريل، 2009

كلمة منه تفتح آفاقا

أكلمه من حين لآخر .. مكالمة واحدة تكفيني لشهر أو شهرين .. ثم أعود لأنهل منه ثانيا .. إشارات في كلامه ألتقطها فأقرأ بعين مختلفة .. عالم لا ينبغي أن يضيع الأخذ عنه من يريد أن يفهم حقا شرع الله .. ولو كنت رجلا لما فوت فرصة أن ألازمه وآخذ عنه .. لكن قدر الله وما شاء فعل .. الحمد لله .. طلبت ذلك منه فقال لي إن تلامذته من الدكاترة الذكور وأنه لا يستقبل نساء .. لكن لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا بكرمه تعالى .. لن أستطيع أن أسهب أكثر في الحديث عن انتفاعي بهذا العالم الجليل .. لأن أسئلتي له تتعلق بموضوع بحثي للماجستير .. لكن أرجو من يقرأ سطوري هذه أن يدعو لي بفتح مبين مع صلاح النية والقبول ونفع الناس وأن يدعو بطول العمر والعافية لفضيلة العلامة علما وحسن خلق الشيخ عبد الله بن بيه نفعنا الله به .

21 أبريل، 2009

ليلة حديثية مع المكتبة الإسلامية لإسلام ويب

أكتب تدوينتي هذه والفجر آذن بالطلوع ॥ كانت ليلتي أكثر يسرا مع المكتبة الإسلامية لإسلام ويب التي تدعمها هيئة الأوقاف القطرية ॥ أردت أن أقول شكرا لهم ॥ عملهم الذي ستجدون كلاما عنه هنا ، هو عمل جدير بالشكر والدعاء ॥ وصباحكم أنس وجمال ॥

11 أبريل، 2009

مساء المقاصد

انتهيت الليلة من كتاب د.أحمد الريسوني حول نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي .. حدة الدكتور الريسوني رغم أني في البداية نفرت منها إلا أني تنبهت لاحقا إلى أنها عامل ثراء في الحقيقة .. لأنها على الأقل بالنسبة لي استفزتني للتفكير في الآراء التي يفندها .. ووجدت أن قليلا من الهدوء ربما لم يكن ليجعلني أفعل .. كلامه حول التحسين والتقبيح العقليين .. وحول تعليل أفعال الله عند الأشاعرة .. وحول نسبة المذهب المالكي إلى الإمام مالك .. كان مستفزا لتفكيري للغاية .. الكتاب مهم أيضا من حيث جهد الدكتور في التلخيص .. لا ليس ذلك فقط بل إن الفصلين الأخيرين في الكتاب أراهما من أهم ماورد فيه .. لقد جمع قواعد المقاصد التي ذكرها الإمام الشاطبي في الموافقات .. كما أنه اختتم الكتاب بالجوانب التي تحتاج إلى بحث في " علم المقاصد " .. لقد قرأت قسما لا بأس به من موافقات الشاطبي ، وأعتقد أن عودتي إليه الآن بعد كتاب الدكتور الريسوني ستكون أكثر إفادة لي .. ثم إني قبل قليل مررت على كتاب " دراسة في فقه مقاصد الشريعة " للدكتور القرضاوي .. إنه يشبه ساندويش لذيذ وخفيف.. ووجدتني أمر على صفحات الكتاب أو ما يعنيني من موضوعاته في يسر وسلاسة بعد الوجبة الدسمة التي تضمنها كتاب الدكتور الريسوني .. ما كتبه الدكتور القرضاوي فيه ما يحتاج إلى تدقيق في تقديري .. مثلا كلامه عن أن التحسينيات لا تكون واجبة أو ملزمة .. وهذا غير سديد .. فالطهارة من التحسينيات وهي واجبة كما ورد في الموافقات .. عموما الكتاب مفيد وسلس .. فقد كان بمثابة مراجعة لما قرأته في الموضوع .. وأتصور أني لو كنت ابتدأت به قبل القراءة في موافقات الشاطبي أو مقاصد ابن عاشور لربما كان مفتاحا ميسرا لهذا العلم .. والله أعلم ..

18 مارس، 2009

السياسة والدين في النادي الأدبي الثقافي أمس

قلت لكم لعلي ॥ لعلي أجد شيئا جديدا إذا ذهبت إلى محاضرة الأستاذ الدكتور محمد عمارة .. وقد وجدت ما هو جديد ومستفز للتفكير معا ..

المحاضرة كانت بعنوان : " الاستشراق وأثره في الثقافة العربية " لكن ما كان أهم من المحاضرة في تقديري هو مداخلات الحاضرين ॥ يتحدث أ/ رائد السمهوري عن أن ابن تيمية تحدث في أحد كتبه لا أذكره الآن للأسف عن بعض فقهاء الكوفة أو جلهم وأنهم كانوا يفصلون الدين عن السياسة ॥ وتعليق ابن تيمية على فعلهم هذا بأنه خلاف السنة ॥ ولم يقل كما قال الأستاذ رائد إنهم خارجين عن الدين ॥
الأستاذ رائد كان يتحدث بلغة قوية ومستحضرة للنصوص بحيث كانت مداخلته وحدها كفيلة بإعطاء ثقل حقيقي للأمسية ॥ النفس الاعتزالي الذي كان يتحدث به كان نفسا يستحق الوقوف عنده والذي اختتمه بسؤال للدكتور عمارة أين أنت من الاعتزال ، هل تعتنق الفكر الاعتزالي أو كما قال ॥
حسنا لا أفضل أن يسأل الناس آخرين أسئلة ملغومة كهذه لا سيما في وسط ثقافي ملغوم ॥ كما لا أفهم لماذا عد الدكتور بكر باقادر انتقال الدكتور عمارة من توجه فكري إلى توجه فكري آخر أمرا معيبا ॥
ما المشكلة في أن يغير الإنسان آراءه تبعا لما يستجد له من فهم وبحث ؟
وجاء سؤال الدكتور عادل با ناعمة هادئا ومثيرا للتفكير : ألا ترى أن نهج ( شهد شاهد من أهلها ) قد حال بيننا وبين الإبداع في إيصال رسالتنا إلى الغرب ؟
ولعل هذا السؤال الهادىء كان مهما بعد المداخلة العاصفة للدكتور بكر باقادر التي ركزت على أن ما طرحه الأستاذ الدكتور عمارة كان مسطحا ومجتزأ وتجاوزه الطرح الغربي في التعامل مع الآخر اليوم ॥ وكنت أود لو أن الدكتور باقادر ذكر مثالا واحدا يؤيد ما يقوله ॥ كما كنت أرجو أن يكون أكثر هدوءا وهو يرفض كلام الدكتور عمارة عن كون الأفغاني ليس ماسونيا ॥
لقد كان الدكتور باقادر مقنعا في تقديري وهو يقول : إن ماسونية الافغاني التي توجد دلائل لا يمكن نفيها عليها –رغم أنه لم يذكر تلك الدلائل- ليست تهمة لأن موقفه في عصره ووفقا لما هو متكشف من الأمور كان موقفا نزيها ॥ لكن ما لم أره مقنعا ليس فقط حدته وإنما عدم تقبله أن يكون للدكتور عمارة قراءة قد تختلف عن قراءته ॥
ظللت طيلة الطريق من النادي إلى المنزل بعد الأمسية أفكر في محاضرة الدكتور عمارة ॥ هناك خطأ ما لم أستطع التقاطه ॥ وظللت أستحضر ما قاله المحاضر ॥ وأفكر في المداخلات ॥ إلى أن أشرقت في ذهني الفكرة ॥ وأجدني أتساءل هل كانت ستشرق لو لم أستمع إلى الكلام المنمق الرائق للأستاذ حسين بافقيه ॥ الذي خاطب فيه الدكتور عمارة .. ذكر الأستاذ بافقيه أنه تتلمذ على فكر الدكتور عمارة زمنا ثم صد عنه لما فيه من روح السجال ..وانتقل لقراءات أخرى تتسم بالنهج الأكاديمي .. لكن الأيام جعلته يكتشف أن النتيجة التي وصل إليها من المنهجين السجالي والأكاديمي كانت واحدة
كانت روحا من الحفاوة تشرق في كلامه ॥ تختلف عن تلك الروح الصارمة التي تحدث بها الأستاذ عبده خال .. والذي عقب بها على قول الدكتور عمارة بأن العقل الإسلامي هو عقل تجريبي
॥ قال الأستاذ عبده خال : بل العقل الإسلامي عقل تجريدي وليس تجريبيا॥ حسنا لم أفهم تماما مقصود الرجلين ॥ لعلهما كانا يتكلمان عن ارتباط الطرح الديني بواقع الناس ॥ فإذا كان الأمر كذلك فأعتقد أن العقل الإسلامي كان تجريديا وتجريبيا معا ॥ بحسب المتصدين لمخاطبة الناس من العلماء مرونتهم وإدراكهم لواقعهم ॥ هل فهمت جيدا ؟ ربما !
المعلومة المهمة بالنسبة لي التي استفدتها من كلام الدكتور عمارة هو قوله إن آية الجزية نزلت في المستعمر الكسروي أو القيصري وليس كل دولة لا تدين بالإسلام تسري عليها هذه الآية ॥ طبعا أحتاج إلى تحقيق ذلك .. لكن الفكرة جديدة علي تماما .. وهي تحل الإشكال لدي بخصوص آية الجزية ।
بقي أن أقول إن ( الشيء المشكل ) في طرح الدكتور عمارة بالأمس ॥ والذي لم أكن قادرة على التقاطه إلا بعد تفكير طيلة طريق عودتي إلى البيت هو أنه عد كل رفض أو تشكيك أو نقض لما جاء به الإسلام من المستشرقين هو عمل غير نزيه وغير أخلاقي – إن صح التعبير- والأمر كما أفهم فيه فرق دقيق بين باحث لم يتبين له الحق كما نراه وبين باحث لم يلتزم النزاهة العلمية فيما يطرح ॥ أعتقد أن هذه المشكلة التي جعلت طرح الدكتور عماره يبدو تسطيحيا في بعض جوانبه
॥ أيضا هو لم يفرق – كما فهمت- بين منهجية في الطرح نقدمها للآخر ليقتنع بها وبين كلام قاله مستشرق يعلن به إسلامه ॥ فالكلام الذي ختم به محاضرته لأحد المستشرقين الذين قضوا في عام 2006م كان كلاما هو في الواقع إعلان إسلام لا حجة يحتج بها على صدق النبوة ॥
ثم إني أتساءل هل العبرة في الكلام بمن قاله أم بما يقال من حيث المنهجية والدقة والضبط والعمق ؟
كما أني أتساءل لماذا لم يقل لي الدكتور عمارة أنه لا يتذكر من أين نقل النص الذي نقله عن ابن رشد في التأويل ॥ لقد أحالني إلى كتب مختلفة ॥ لكن سؤالي كان واضحا ومحددا : أين أجد النص يادكتور؟ ولو قال لي أنه لا يتذكر ولعله هنا أو هنا أو هنا لكانت إجابته أكثر احتراما لسؤالي ॥ لكني شكرته في سري مع ذلك فقد علمني موقفه أن أتنبه فيما لو نقلت شيئا للناس ، أكون صريحة معهم حال قصوري ..
حسنا كانت ليلة مختلفة حقا بالنسبة لي .. ثراء وتحفيزا .. وأجدني بعدها أجد جدة أكثر جمالا !