الخميس، 31 مايو 2018

قصاصات صغيرة ..


هذه شذرات متأملة في بعض الروايات التي قرأتها هذا العام (2018م)  والعام الفائت .. 

الخوف ( ستيفان زفايغ . ترجمة : أبو بكر العيادي. دار مسكيلياني) :
 لعل هذه الرواية هي أجمل ما قرأت لستيفان زفايغ .. إنها تؤكد على أن الرحمة هي جوهر العدل ..وأن القيم النبيلة تمثلها يكون بالتحرر من القوالب النمطية.  

آموك سعار الحب ( ستيفان زفايغ . ترجمة : ناظم بن إبراهيم. دار مسكيلياني) 


طيلة الرواية  أسرتني فكرة أن الكاتب يريد أن يتحدث عن حالة متطرفة للتعلق عشقا .. مع بعض المعاني التي تلوح من بعيد ولا تستقر في الفهم أو هكذا بدا لي .. لكنها لم تجد بدا من الظهور بقوة أمامي عندما وجدتني غافلة عنها.. قالت لي:  إن الكاتب أراد أن يلفتنا إلى أثر ارتباكاتنا النفسية في تقييمنا للأمور وتعاطينا معها ..وأننا في خضم هذه الارتباكات قد نفقد جزءا مهما من إنسانيتنا وهو التعاطف الأصيل الذي يظل حاضرا في تعاطي الإنسان السوي مع الآخرين وإن قبحت بعض صفاتهم ماداموا في موطن ضعف وحاجة ..إن الرواية تنبهنا إلى أن لا نتسرع في أحكامنا ومواقفنا حيث كنا في حال من التشويش النفسي لأننا قد ننحاز حينها إلى أخلاق الجلادين من حيث   لا نشعر ونفقد طيبتنا ونحن  نظن بأنفسنا خير أو عدلا ..

السر الحارق ( ستيفان زفايغ. ترجمة : عبد الكريم بدرخان . دار مسكيلياني) :

رواية تنتصر  لقيم الخير ،والمسؤولية الأخلاقية،  عبر جسر من المشاعر العميقة؛ يحترم عواصف الضعف الإنساني،ولا يستخف بها؛ لكنه مع ذلك لا يسمح لها بأن تلبس مسوح الضرورة المهلكة . إنه ينزل تلك العواصف الجامحة منزلتها من كونها حاجة تقصر مهما عظمت عن أن تكون مبررا للإخلال بالفضيلة و النبل والالتزامات الأخلاقية . والرواية مع ذلك فيها تصوير  خبير  لبعض طبائع البشر ، وإدراك حساس لمشاعر المرأة وحاجاتها النفسية والجسدية والأخلاقية . بقي أن أقول إن لغة الترجمة تأخذ بتلابيب العقل والنفس :هذه العبارة مثلا قلبتها مرارا وأنا أستمتع بالنظر في امتدادات المعنى : (...إذ لم يعلمهم الكبرياء بعد؛ حكمة الاهتمام بالمظهر الخارجي على أحسن صورة .) ووجدتني أفكر : لم لم يقل :إذ لم تعلمهم الحكمة بعد؛ كبرياء الاهتمام ...      
 وفي موضع آخر نجد وصفا عميقا لطبيعة بعض الأوغاد : (صارت الكلمات تتقافز من شفتيه بحماس استغربه حتى هو.كان -مثل كل من يملك رغبة جنسية عارمة -؟لطيفا لطفا مضاعفا ،متفوقا على نفسه تفوقا كبيرا ،عندما عرف أن المرأة معجبة به ...).. الرواية فيها لقطات ذكية جدا عبر عنها المترجم بلغة رشيقة ..استمتعت جدا بالقراءة ولم أترك الرواية حتى أتممتها ..وأجد أن من نعم الله أني حصلت عليها ..

فوضى الأحاسيس: (ستيفان زفايغ. ترجمة: ميساء العرفاوي.دار مسكيلياني)

رواية مجهدة لأن غموضا ما يكتنف سطورها المفعمة بالأحاسيس الملتبسة .. لقد كان هذا الغموض مقصودا ومناسبا لإيقاع المشاعر المشوشة وقد نجح الكاتب وتبعا له المترجمة في خلق سياق يتواءم مع حالة الارتباك التي ترافق شخوص الرواية ..الرواية تناولت موضوع الشذوذ الجنسي في ظرف ثقافي وقانوني يفارق الظرف الثقافي والقانوني الذي تعيشه أوروبا اليوم ..ولعل هذا هو السبب الذي جعل المؤلف يخلق سياقا للأحداث ونهجا للكلمات يقودان القارىء إلى  أن يكون التأمل لا التقويم الأخلاقي هو أداته للتفاعل مع الرواية .. وهذه زاوية جيدة لفهم اضطراب المشاعر الإنسانية .. ولا زال ستيفان يقدم فكرا عميقا  في قالب أدبي متمكن .. بقي أن أقول :إنني كمسلمة أرفض ما تطرحه الرواية فكرا لأن نموذجي المعرفي يصوغ العلاقات الإنسانية كجزء من علاقة وجدانية وثيقة مع الخالق قد نفهم كثيرا من تجلياتها وقد تغيب عنا بعض تلك التجليات 

احذر من شفقة الحب (: ستيفان زفايغ. ترجمة : عمر عبد العزيز.  النبتة للنشر):
الفعل النبيل مسؤولية وليس (نزوة) " هذه هي الرسالة التي توصلها تفاصيل الرواية باقتدار وحكمة تنبهناإلى 
المسؤولية الأخلاقية لتصرفات قد تبدو لنا نبيلة تسترق من النبل مظهره لا جوهره وتجعلنا نؤذي من أردنا الإحسان إليه..تستحق القراءة رغم أن لغة الترجمة قد تبدو بسيطة لكن النص الأصلي عصي على  التعثر.

حلة النقيب : ( تشيخوف . الأعمال الكاملة . دار الشروق .).  
في قصة : ( حلة النقيب ) النبلاء حقا هم البسطاء الذين يحترمون وعودهم المالية .. أما تلك الطبقة الثرية العريقة 
المثقفة فأهلها في الغالب لا يدفعون إلا بعد مماطلة مشوبة بجلد المدين لهم بسوط الاحتقار والمنة والزراية ..ومع ذلك فإن من البسطاء من هانت عليه نفسه واختلطت عليه الأمور بحيث يجد أن مثل هذه الحقارة هي نبل .. ويجد أن الرفعة في التعامل معهم .. القصة هزتني تفاصيلها .. المجلد الأول من الأعمال الكاملة هو صفحات من الحكمة 
الإنسانية .

السبت، 12 مايو 2018

التعايش .. قصة أخرى .




" .. . كان الإسلام يمنع على المسلمين القتل وإراقة الدماء إن لم يكن ذلك لقضية عادلة . ولو زحف المشركون إلى المدينة، ستتعرض حياة كثير من النساء والأطفال للخطر. لذلك، كان لابد للمسلمين من الذهاب إلى بدر لمنع ذلك ، ولحماية أسرهم . " . ( غزوة بدر ، 365 يوما مع خاتم الأنبياء ،  ص 205 ) .

          لقد كتب هذا النص في الحكاية 173من حكايات السيرة الشريفة للأطفال . وكان ضمن سياق متصل نقل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفق قراءة مقاصدية تجعل السلام هو جوهر الإسلام . نعم لقد كنت أقرأ لابنتي السيرة الشريفة باطمئنان معرفي .. وأنا أشعر بالامتنان لمن أخرجوا لأطفالنا هذا الكتاب القيم.

 الإسلام هو  دين السلام . والسلام هو الذي يصوغ  علاقتنا بالآخر مسلما أو غير مسلم .لعل هذه الفكرة تحتاج إلى تجليتها في الأذهان عبر مزيد من  المؤلفات المتخصصة .

كتاب السيرة الشريفة للأطفال الذي استفتحت به يقدم السلام في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كمنهج حياة بأسلوب سلس يناسب الأطفال وهو مكتوب بذكاء معرفي يستحق التقدير .

          ولعلي كأم لم أكن لأدرك قيمة هذا الكتاب لو لم تتقدمه قراءتي لكتاب آخر يقرأ السيرة  مقاصديا قراءة تجمع بين علمي أصول الفقه والفقه وتستحضر واقعنا المعاصر ليقدم اجتهادا تجديديا في فقه التعايش لعله أحد أهم واجبات الوقت الفكرية .

          ووفقا للرؤية التي يقدمها فضيلة العلامة علي جمعة في كتابه : (( النماذج الأربعة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعايش مع الآخر الأسس والمقاصد )) . دار الفاروق .  فإن الأحكام الفقهية المتعلقة بالتعايش التي تنوعت عبر امتداد حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها صادرة من قاعدة أخلاقية ثابتة هي إرادة الخير والسلام .إذ أن السيرة الشريفة قدمت لنا  أربعة نماذج للتعايش : نموذج مكة المكرمة ، ونموذج الحبشة، ونموذج المدينة المنورة في عهدها الأول ، ونموذج المدينة المنورة في عهدها الثاني .

      يقرر الكتاب أن هذه النماذج الأربعة تتكامل لتقدم للمسلم منهجا أخلاقيا ثريا في موضوع التعايش .نموذج مكة المكرمة يمثل الاندماج المجتمعي، وحب الوطن وأهله ، وعدم العزلة، والصبر على الأذى، مع تمام حسن الخلق . ونموذج الحبشة كان يمثل أخلاقيات المسلمين كأقلية في بلدان أكرمتهم وآوتهم : أخلاقيات الكلام والتعاضد والنصرة والوفاء . ونموذج المدينة المنورة في عهدها الأول: كان يمثل أدبيات المواطنة والانفتاح . ونموذج المدينة المنورة في عهدها الأخير كان يمثل مقام العدل قبل السعي .
    يحدثنا الكتاب عن  هذه النماذج عبر مجموعة من المواقف النبوية الشريفة ويشرح لنا السياقات التي حدثت فيها هذه المواقف في توثيق وتأصيل علميين .

          الرؤية الاجتهادية الجديدة التي يقدمها هذا الكتاب هي أن المراحل التاريخية للسيرة المطهرة هي من قبيل تقديم  نماذج إنسانية متنوعة الظروف والأحوال لكن كلها تحكمها مبادئ ثابتة أخلاقيا جوهرها السلام وقوامها العدل والرحمة والصدق والوفاء , وتكامل هذه النماذج ينفي فكرة أن ينسخ المتأخر منها المتقدم .

          فالمسلمون في نموذج مكة المكرمة  لم يعتدوا على أهل مكة ابتداء لأن خلقهم هو عدم الاعتداء وليس لأنهم كانوا في حالة ضعف. كما أنهم حاربوا بعد ذلك قريشا ردا للاعتداء لا لأن المسلمين إذا قويت شوكتهم اعتدوا ولو كانوا كذلك لما سلمت منهم الحبشة قرونا مديدة .

         يشرح الكتاب هذه الفكرة بإسهاب ويدلل عليها بأدلة تأصيلية وفقهية تتسق معها النصوص القرآنية والنبوية ويرتفع ما قد يرد من إشكالات تتعلق بالسلام كمقصد رئيس .

          من أمثلة ذلك ما أجاب به فضيلة العلامة علي جمعة على الإمام الطاهر بن عاشور من أن قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين) ناسخ لحكم القتال الذي  قرره حديث الإمام البخاري: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ...) . قال العلامة علي جمعة : " وليس في الحديث أمر بقتال المشركين لأجل إكراههم على الإسلام ، ولا يمكن القول أنه في زمن من الأزمان كان هناك إكراه في دين الله ثم نسخ ، وآيات القتال لم تنسخ آية النهي عن الإكراه ولا العكس، بل الإكراه ممتنع في كل وقت وفي كل مكان ، في السلم وفي الحرب، والقتال إنما هو لمن قاتلنا واعتدى علينا ، فالجهة منفكة . والحديث إنما هو لتحديد غاية يتوقف عندها القتال مهما كانت أسبابه ، فهو حديث رحمة وتسامح ...  " ثم نقل فضيلته عن تفسير المنار ما نصه : " ...وإنه –أي الحديث- وارد  في بيان الغاية التي ينتهي إليها قتال من يقاتلنا من الكفار... " .

          والمسلم المعاصر داخل المجتمع المسلم أو خارجه قد يجد نفسه في ظرف إنساني يقارب نموذجا من هذه النماذج الأربعة أو يقارب نموذجين معا منها أو أكثر . وحينها فإنه يتحرك في مساحات التواصل الإنساني حركة تتسم بالتعايش السلمي واحترام الحق في الاختلاف .

          والكتاب يجمع بين السرد الثري للأحداث وبين التعليقات التأصيلية والفقهية عليها. وهذا الجمع يتسم بالتنظيم والتفريع في كثير من مسائل الكتاب . وبعض المسائل تحتاج إلى مزيد تنظيم وتحرير ليركز القارئ  على الاستنباطات الفقهية الدقيقة التي نثرت ككنز ثمين وسط التأصيل التأريخي.  وحينها تتجلى القيم في تفصيلات إنسانية تجلي الأفكار وتدعمها بالدليل الشرعي البين .

            ولعل هذا الكتاب جدير بأن يقرر على طلبة الشريعة – وهو يحوي 190صفحة من القطع المتوسط-، أو يستفاد من بعض مواده في منهج التعليم العام. مع التنويه أن الكتاب فيه شذرات علمية فقهية موجهة لأهل الاجتهاد لتعينهم على استنباط فقه جديد في قضية التعايش وكنت أرجو من فضيلة المؤلف أن يكتب تقريراته الفقهية المعاصرة في المسائل التي اقتصر فيها على التأصيل ولم ينقلها إلى حيز الواقع كما في مسائل : اللحظة اللطيفة ، وذهاب المحل، وتفريق الأحكام .

       والكتاب رغم حجمه اللطيف، وسلاسة اللغة التي كتب بها إلا أنه من الكتب ( الثقيلة) إن صح التعبير، فقراءته تحتاج إلى صبر وتركيز فهو كتاب علمي متين يضيف لقارئه علما نافعا ، ومحبة لدين الله ، وللناس جميعا، وأسئلة تهب القارىء شوقا معرفيا، وتقديرا متجددا للعلماء الراسخين .

      ومن اللطيف أن فضيلة العلامة علي جمعة تحدث عن الفكرة الرئيسية للكتاب في بعض برامجه على اليوتيوب ، ويمكن أن يبدأ بها المرء كمدخل لقراءة الكتاب .


الجمعة، 20 أبريل 2018

صغيرتي والإشكالات الفقهية .


هذه المدونة من وحي سؤال طرحه الأستاذ طارق المبارك على حسابه على تويتر : قال : ماذا يفعل أب أو أم لتفسير النصوص الشرعية لولده ؟

وسأكتب سطورا أتمثل فيها تجربتي مع ابنتي ذات الخمس سنوات . ولعل البداية من بناء العلاقة مع الطفل على احترام عقله مع الرفق والحب الغامر . تكوين العقل البحثي لدى الطفل يبدأ مبكرا أيضا. عبر النقاش ومرافقة الطفل في البحث عن بعض الأسئلة العامة التي يطرحها فنفتح جوجل سويا لنجد الإجابات مع تنبيهه على أهمية أن نختار مصدرا موثوقا للمعلومة. وقد ساعدني على إيصال هذه الفكرة إحدى حلقات مسلسل الأطفال الكرتوني العلمي : ( زيد والعلوم) .

 يرافق ذلك تقديم القدوة الطيبة  حيث يجد الطفل أن الشعائر والأوراد هي جزء يومي من حياة والديه وحياته تبعا. هذا يعمق ثقة الطفل بوالديه مع ضرورة أن يقترن ذلك بإشارات يومية إلى المعاني الروحية والأخلاقية المرتبطة بهذه  الشعائر. ثم ربط السلوك اليومي بمبادئ الإسلام ومقاصده الأخلاقية .

والأمر يبدأ مبكرا بشكل مدهش . فبسبب تعليق ابنتي ذات الحمس سنوات على لباس إحدى الممثلات وأنها ليست مسلمة لأنها لا تلبس الحجاب . وجدتني مضطرة لأن أشرح لها أن الحجاب هو جزء من الإسلام  وأن المسلمة التي لا ترتدي الحجاب مخطئة لكنها ليست امرأة سيئة. وأن الحجاب مهم وتركه خطأ لكن هو خطأ بسيط في مقابل أخطاء أخرى تتعلق بالأخلاق . وأن المسلمة قد يغفر الله لها ترك الحجاب إذا فعلت حسنات كثيرة لكن من المهم أيضا أن تدرك أنها ترتكب خطأ وتسأل الله أن يهديها للصواب . وأننا يجب أن نحترم الآخرين وإن كنا لا نوافق على بعض أفعالهم ماداموا لا يتسببون في الإضرار بالآخرين .

ومن موضوع الحجاب إلى الموسيقى .. كانت آمنة منذهشة حينما عرفت أن بعض الناس يظنون أن الموسيقى حرام . قلت لها إن الإسلام فيه آراء متنوعة والمهم هو أن نحترم آراء الآخرين والأهم من ذلك هو أن نختار الآراء التي تناسب إحساسنا وطبيعتنا وقدرتنا على العيش بفرح وسلام.  

هذه المفاهيم في الواقع هي نتاج رحلتي في التخصص الشرعي. وإذا كنت قد قمت بصياغتها لآمنة بعبارات بسيطة فإن الذي أرجوه أن المعاني ستظل حاضرة في وجدانها عندما تقرر أن تخوض طريقها البحثي بشكل مستقل .

كما أن قراءة السيرة الشريفة للطفل قراءة مقاصدية مما يعين على ملء قلب الطفل بمعاني الإسلام السمحة وبالتالي نعينه على خيارات حياتية متوازنة  .

ختاما : أتمنى أن أكون وفقت في تقديم إجابة مقاربة ونافعة .. وأرجو أن يكتب آخرون تجربتهم لنستفيد جميعا.

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017

وصار الكتاب صديقا لابنتي

   في كتاب :" قصص الأميرات" لتوني وولف يذكر الراوي  أن سندريلا ما إن تنتهي من أعمال المنزل حتى يكون الكتاب رفيقا لها في وقت  راحتها. التقطت هذه الإشارة اللطيفة لأخبر ابنتي آمنة أن الأمير أعجب بسندريلا لأنها كانت أنيقة ، ولطيفة،  مما جعلها تبدو جميلة في عيون الجميع،  فإذا ما تحدثت كانت تحسن اختيار الكلمات، وكانت ثقافتها تسمح لها بالخوض في موضوعات متنوعة ، وشيقة في تواضع ولباقة . سندريلا حازت إعجاب الجميع بسبب جمال روحها وعقلها وأناقتها ولذلك بدت جميلة الجميلات .

          لقد بدت لي قصة سندريلا حينها ذات معنى ؛ فقط اكتشفت ذلك حين قرأتها مع ابنتي بعد كل هذه السنوات، وتساءلت لم لم أنتبه إلى هذا الملمح من قبل ؟  فوجدت أني كأم تفرض القصة علي نفسها كأداة تربوية قبل أي شيء آخر؛ فالقصة هي وسيلتي لغرس القيم الجيدة ، وتعليم ابنتي كيف تناقش ما يطرح عليها من أفكار،  وكيف تحلل ذلك منطقيا وقيميا وواقعيا ، وهي قبل ذلك وبعده طريقتي لأهدي لابنتي ذكريات حلوة عن أوقات ممتعة ، وثرية ، قضيناها معا. .
         يبدأ تدريب أطفالنا على القراءة منذ مرحلة مبكرة . نصحتني عمتي هدى أن يكون الكتاب رفيقا لابنتي قبل أن تتم نصف عامها الأول، وهذا ما فعلته . كنت أشتري لآمنة في هذا العمر الكتب التي تحوي صورة في كل صفحة، وفيها أجزاء بارزة تتفاعل مع حاسة اللمس لديها ..
          وفي عمر السنتين ، اشتريت لآمنة قصة عن فتاة تدعى (ذهب)  من المقاس الكبير ، وورقها ناعم ، وكنت أحكي لها القصة كل مرة رغم الصفحات الممزقة والمأكولة قليلا؛ فقد كان هذا جزء من تفاعل آمنة مع الحكاية . وكنت أحترم طريقة تفاعلها هذه ؛ وأتحدث معها عنها بلطف ، وأعيد ترتيب الأوراق الممزقة وأنا أثني عليها ..
          أعتقد أن تدريب الطفل على القراءة إنما هو جزء من عملية تفاعلية متكاملة .  أنت رفيقة طفلك .  لا ألعابه ولا التلفزيون ولا الأغاني أو الأناشيد؛ ولذلك لتصلي إلى ربطه بالكتاب لا بد لك من طريق حافل بالصحبة الحلوة و الحكي مع الطفل عن التفاصيل الماضية والحاضرة بل والمستقبلة .. نعم .. تواصلك معه طوال اليوم يجعل وقت الكتاب عنده جزءا مهما من يومه لأنك صنعت له برنامجا هو جزء من وجدانه الذي يحتفي بصلته بك ..
          زيارة المكتبة مع طفلك مهمة أيضا؛ فهي تربطه بهذا المكان، وتعلمه الصلة به،  ويقضي وقتا ممتعا معك في الاختيار الذي يعزز ثقته في نفسه ، وإحساسه بحرصك عليه، وعنايتك به ، وتقديرك له..
          حسنا، الكلام عن فرصة طفلك في الاختيار هو في الواقع من قبيل التجوز ، فأنت من يجب أن تختاري له القصص، ثم تخيريه بين المجموعة التي قمت باختيارها، و بيني له أن القصص التي ترفضين شراءها ليست ممتعة وإن كانت رسوماتها جميلة . ولا بأس ببعض الحزم هنا وتذكيره أن هذه مهمتك لأنك أمه وصاحبة القرار هنا – وهذا سيفيدك في مواقف أخرى يجب عليه فيها أن يحترم قرارك وإن لم يفهم سببه – مع كلام لطيف عن حبك له وحرصك على أن يتعرف على قصص مدهشة ومميزة .
          لقد تعلمت أن لا أنخدع بالرسوم المميزة والألوان الجذابة أو العناوين الذكية رغم أهمية كل ذلك. قبل شراء القصة لطفلك لا بد أن تقرئيها ولو تصفحا .. وأن تتخيلي كيف ستحكينها لطفلك .. وكيف ستناقشين أفكارها معه .. وإلا فستقعين في فخ هدر مالك دون قيمة حقيقية. جزء مهم من اختيارك للقصة كونها تنمي الذائقة الأدبية لطفلك. لماذا تختارين قصصا فقيرة أدبيا، والخيارات الرائعة متوافرة ؟
          في مرحلة ما كنت أفكر أني لن أقرأ لابنتي قصصا تحمل قيما ثقافية مغايرة..لكني وجدت أن ذلك غير صائب .. فهذه القصص صارت إرثا ثقافيا عالميا ولا يمكن أن أعزل ابنتي عنه .. ثم إن قصص ديزني كصوفيا أو أنا وإلسا وغيرها تحمل عمقا إنسانيا جميلا ومهما، فكيف أحرم ابنتي من أعمال أدبية ستجعلها تنال نضجا وجدانيا وعقليا ؟..
          اكتشفت أن قراءة هذه القصص معها لا سيما وهي في سن الخامسة يشكل لي متعة حقيقية أدبية وإنسانية وكذا في تقليب وجهات النظر معها في المواقف المختلفة .. والتمييز بين ثقافتنا الإسلامية وثقافة القصة كما في موضوع الساحرات مثلا .. أعتقد أن ذلك يمهد لنفسية تتعايش مع الاختلاف بروح نقدية حرة و تعطي من يختلف معها فكريا حقه من الاحترام والود .
          من الأمور التي تعجبت لها أن آمنة في مرحلة ما تعلقت بقصة :" ذات الشعر الذهبي والدببة الثلاثة " وكانت يوميا تطلب مني أن أقرأ لها هذه القصة بعد قصة أخرى ..كان أمرا مملا بالنسبة لي لكن لم يكن لدي خيار إلا الصبر ومجاراتها . ثم قرأت لأديب مصري كبير– لا أذكر اسمه للأسف – أنه كان في طفولته يقرأ إحدى القصص يوميا ويكرر ذلك بلا ملل فعذرت ابنتي  وتفاءلت .
          إن تقليب وجهات النظر في القصة مع طفلك  هو مجال لأن يختار رأيا مغايرا لرأيك ضمن المسموح به قيميا .. وهذا يعزز ثقته بأن  يحكي أفكاره لك دون خوف من أن تحجري على رأيه .. وبالطبع هذا يعزز ثقته بنفسه ويجعله حريصا على تمحيص الأفكار قبل تبنيها ..
          في معرض الكتاب في جدة هذا العام، نويت البحث عن قصص إسلامية جيدة .. فلم أجد شيئا من ذلك- يناسب عمر ابنتي - إلى اليوم ، وآمل أن أوفق في ذلك ..
          من المهم للمربي أن يشتري الكتاب المميز وإن كان لا يناسب المرحلة العمرية الحالية لطفله.. يحتفظ به للسنوات المقبلة .. فالكتاب الجيد كنز ثمين وقد تطلبه بعد ذلك فلا تجده، ومن ثم فقد اشتريت لطفلتي قصة (على باب زويلة) لمحمد سعيد العريان، وقصص المنفلوطي، وقصص أخرى تنتظرها بحفظ الله..

          وفي ختام هذه الرحلة أحب أن أشكر مكتبة جرير،  ومكتبة الدانوب الصغيرة في (السلام مول) في جدة ، و قبل ذلك مكتبة الملك فهد العامة، إذ تحوي كتبا مميزة وثرية، ولي مع آمنة تجربة جميلة فيها .
          
         فإذا ذهبت إلى هناك أيها المربي فعليك بكتب (لبنان ناشرون) .. وأكاديميا .. وهاشيت أنطوان .. وهناك سلسلة عن المشاعر مهمة جدا في تعليم طفلك كيف يعبر عن أحاسيسه وكيف يتعامل معها .. وسلسة أخرى عن ياسمين وعائلتها .. وعن زينة وتقلباتها.. فضلا عن كتب توني وولف العظيمة .. 
   ودمتم آباء مخلصين . 

إشراقة : 
اللهم صل على سيدنا محمد، وآله ، وصحبه. هادينا، ومعلمنا، ومربينا. اللهم نورنا بنوره هداية، ورحمة، ورشدا. واجعل بركة ذلك في أولادنا، وأمرنا كله .

الجمعة، 21 أكتوبر 2016

اكتمال

يقول د. مصطفى أبو السعد ( النقل هنا بالمعنى) : أكبر عقاب للزوج المقصر هو أن يراك سعيدة .. مكتملة بنشاطاتك الروحية والثقافية والاجتماعية وكل ما يجعلك إنسانة أفضل .. إذا أقبل عليك أقبلت عليه بهدوء ولطف .. وإذا أدبر عنك لم تسألي لم أدبرت ؟ .. وإذا تعنت معك لم تعانديه ولن يستمر في تعنته غالبا .. يقول أبو السعد : استقلالك سيجعله ينجذب إليك من جديد .. فأكثر ما يجذب الرجل في المرأة هو اكتمالها .. وتقول صفية الجفري :) : فليكن كل ذلك لأجلك لا لأجله .. فإن عاد فإنما عودته ستكون إلى الفضيلة : إلى الواجب الذي ضيعه ، والقيم الأصيلة التي استهان بها .. لكنه يجب أن يسأل نفسه بعد ذلك هل عاد إلى قلب زوجته أم أنه جزء من موازناتها الحياتية فقط ؟ !

الخميس، 29 سبتمبر 2016

عن القواعد التي لا يجب كسرها



                شغفنا لكثير من وقت مضى بإعمال الفكر  في موروثنا السائد من القواعد التنظيمية للسلوك المجتمعي   .. وكنا نتباهى أيام ( الزهو ) بكسر قاعدة هنا وقاعدة هناك فكرا وسلوكا .. وكانت تصرفاتنا تبدو لنا عملا تحرريا يسهم في التغيير بل وفي خلق أعراف جديدة ولو بعد زمن طويل .. وبقدر ما في هذه الفكرة من جدارة في بعض وجوهها إلا أنها بشكل ما قد تحمل في داخلها عوامل فنائها .. تلك العوامل المرتبطة بالافتقار إلى التواضع ، وعمق التجربة ..

                التواضع يجعلنا نقف كثيرا عند الأفكار قبل المباهاة باطراحها . . وعمق التجربة يجعلنا نحترم تراثا ثقافيا يتصل في بعض تجلياته بفكر فقهي مقاصدي  صاغته تعقيدات الحياة ، وموازاناتها ، ومواءمات قيمها ..

     فإذا سلمت أفكارنا ( التحررية ) من هذين الحجابين حجاب الغرور  وحجاب الجهل اتصلت بأمر جديد وهو ( غباء ) الممارسة ..  

    وهذه الحجب الثلاثة الغرور والجهل وغباء الممارسة تنتج تشويشا معرقلا على مستوى الفكر ، وعلى مستوى الاستقرار النفسي و الأسري والمجتمعي ..

    لذلك فالشجاعة هنا تكمن في  ( الرفق بأفكارنا ) فلا نحملها شطط  آفاتنا النفسية ، وقصور خبراتنا الحياتية ..

    ( الرفق) بأفكارنا .. والسير معها بتأن .. لنبلغ بها شاطئ السكينة الفكرية .. والحكمة الإنسانية .. يجنبنا في مقبل الأيام تحمل تبعات شططها ..

    وأشير  هنا إلى كتاب مترجم يحوي أطيافا تتصل بها .. اسم الكتاب: ( قواعد يجب كسرها ) .. لريتشارد تمبلر .. من إصدارات مكتبة جرير ..   

    إن البحث الدؤوب في المسائل الفقهية ، ومجالسة الحكماء ، والقراءة لهم ، في مسائل العلاقات الإنسانية يعطي أفكارنا حقها من النضج .. فنبلغ بها ما نبغيه من إقامة حياتنا على مواقف لا تشوشها التبعية ولا تعصف بأصالتها الرعونة .
   



السبت، 20 أغسطس 2016

في رفقة ( الإحياء ) ..

(إحياء علوم الدين ) كتاب له طعم مختلف .. ( الحس) الإنساني عال فيه .. الإحساس بروح الكاتب والصلة بعقله وروحه .. واكتشفت شيئا جديدا هذه الأيام وهو أن القراءة فيه تضيف إليك بقدر نضجك الفقهي والإنساني .. لأن الكتاب عميق وذكي .. يقرأ فيه المبتدىء فيجد فيه جمالا وجلالا.. ويقرأ فيه من هو فوقه فيجد كنوزا فقهية وإنسانية تسعد القلب و( تريح ) الخاطر .. شوفوا اللقطة هذي من كتاب قواعد العقائد : ( وكأن إطلاق التحريم على ... والخمر، والتحليل على العسل .. التفات إلى أغلب الأحوال . فإن تصدى شيء تقابلت فيه الأحوال .. فالأولى والأبعد عن الالتباس أن يفصل) .. وهذه اللقطة تصب في فكرة أن القول بقطعية حكم فقهي ما هو بالنظر إلى ( غالب الأحوال ) التي تتصل بذلك الحكم .. فإذا تغيرت الأحوال احتاج حكم المسألة إلى نظر جديد ..
ومن اللقطات الذكية إنسانيا قوله في كتاب العلم : ( ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم .. فليقلده وليدع رأيه ، فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه ، إذ التجربة تطلع على دقائق يستغرب سماعها مع أنه يعظم نفعها ...) . . 
أحب الإمام الغزالي منذ عهدي بكتاب (المستصفى ) .. وكنت قد قرأت قديما في الإحياء لكن لم أتذوق حديث الإمام الغزالي فيه إلا هذه الأيام .. وقلت ( حديث) لأن كلامه يصلني على وصف من القرب أعجب له .. رحم الله الإمام الغزالي ورفع درجته في المقربين ..

الجمعة، 8 يناير 2016

مقالاتي القديمة 6 : الزواج السري .. إشكالات المنهج والواقع .

                    


اطلعت على ملف الزواج السري على "إسلام أون لاين.نت"، وذكرني ذلك باستشارة قديمة وردت إليّ من إحدى الأخوات عن مدى صحة تقليد مذهب الإمام مالك في عدم الإشهاد على عقد الزواج، والدخول وفقا للعقد، وكان جوابي لها بعد مراجعة مذهب المالكية، أن المالكية يشترطون إشهار الدخول، وأن العقد بلا إشهاد لا يبيح الدخول وفقا لمذهب الإمام مالك.


رسالة هذه الأخت جعلتني أقف مع مشكلة النقل دون تثبت عن المذاهب الفقهية من بعض الناس، فيقعوا في المحظور، لكن هذا ليس الإشكال الوحيد في هذا الأمر، الإشكال هنا في تقديري مرتبط بالمنهج الذي نقرأ به تعدد الصور المختلف فيها في الزواج، وكذا في تطبيقات هذا المنهج، ومدى تحقيقها لمقاصد الشرع، واتساقها مع قواعده في التعاطي مع الواقع.


صور (الزواج) السري، وهنا أؤكد على كلمة (الزواج)؛ لأني أعني بها ما صح اعتباره عند أهل الفقه، هذه الصور لها مساحة من النظر الفقهي، اختلف في حلها أو صحتها فقهاء السنة والشيعة، هناك طرحان متوازيان في هذه القضية تطوف حولهما مجموعة من التساؤلات تحتاج إلى تحرير من أهل التحقيق الشرعي والاجتماعي والنفسي.


الطرح الأول

الطرح الأول يمايز بين الصور التي وردت للزواج غير التقليدي، ويجعل القول بإباحتها مرتبطا بنظر الفقيه، والذي بدوره لا بد له من استشارة متخصصين اجتماعيين ونفسيين، وهذا الطرح له وجاهته الشرعية والاجتماعية والنفسية؛ إذ إنه يضع نصب عينيه حماية العلاقات الاجتماعية من الفوضى، وصيانة الأفراد من أن تعصف بهم رياح الأهواء، فيصبح التحلل من المسئوليات التي تستلزمها العلاقات الأسرية سببا في دمار الفرد والأسرة.
يقول د.بيرم كرسو في كتابه "سكينة الروح": "يبدو الكون لنا في أغلب الأحيان كبيرا جدا. نحن نتوق لملاذ آمن، لانتماء محدد الأبعاد. هذا الإحساس بالانتماء إلى شيء محدد يحمينا من الشعور باللامتناهي في داخلنا، وهو الإحساس الذي يحمله كل منا بصمت، والذي نشعر به أحيانا بصورة هاوية لا قرار لها. عندما ننتمي إلى مجموعة ما، فإنها تتحول إلى شاطئ الأمان الذي نرسو فيه ليحمينا من التهديد الغامض الذي يمثله اللامتناهي الكامن في داخلنا، وفي العالم الخارجي من حولنا... في كتاب  Escape From Freedom، يعتبر إيريك فروم الهروب من الحرية بمثابة العلاج للقلق الوجودي ولـ(سعينا بحثا عن المجموعة)

نجد في هذا النص (النفسيتقريرا لضريبة الخروج عن النسق المجتمعي المقبول، وليس هذا هو البعد الوحيد الذي ينظر إليه عند مناقشة من يفكرون في الإقبال على خيارات متفردة قد يجدون لها سندا شرعيا، لكن هناك بعد آخر يتعلق بمنظومة القيم الأسرية التي تجعل الحقوق المتبادلة في المراعاة والتقدير والمشاركة في صناعة الحياة، كل هذه المنظومة تستحق من الفرد الوقوف عندها، والتفكير مليا قبل تجاوزها.


حاجة الفرد وحاجة المجتمع هل هما متناقضتان أم متكاملتان؟

 القول بالتناقض يعزل روافد مهمة  في سكينة الفرد واستقراره وتناغمه مع ذاته ومجتمعه، هذه الروافد هي الفضائل الأخلاقية؛ فضائل التصبر والتعفف والهمة وكف النفس عما يخرم المروءة، والحذر من السقوط في هاوية التنازلات غير المحسوبة. وهذه الفضائل بمجموعها مطلوبة، وخلو الحياة منها قد يفسد علاقة الإنسان مع نفسه ومع ذوي الحقوق عليه.


لكن تبقى الإشكالات المتعلقة بهذا الطرح من حيث عدم قطعيته، وبالتالي يبقى خرق بعض الأفراد له بناء على قناعاتهم بتعدد الخيارات الشرعية من جهة، وحقهم في تشكيل حياتهم بما يرونه مناسبا ما دام له سند شرعيا قال به بعض أهل العلم.


وكذا التوقف في أهلية كثير من المتصدرين للفقه والفتوى لتناول مثل هذه الحالات، بحيث يكون جعل الأمر بأيديهم سببا في هدر حقوق الأفراد لحساب الاعتبارات المجتمعية.


الطرح الثاني


والطرح الثاني الموازي هو جعل الأمر حقا خالصا للفرد يقدّر فيه حاجته، ويزن المصالح والمفاسد بحسب ما يراه، ولعل الرؤية الفقهية الحاكمة لهذا الطرح هي تقرير المسئولية الفردية كاملة، وجعلها مقدمة على الاعتبارات المجتمعية، ولكن يرد عليها سؤالان:


أحدهما: ما محل الفضائل المندوبة وتحقيق المجتمع بكمالاتها في هذا الطرح؟ وما معنى دعوة القرآن إلى الصبر والتعفف إذا كان الأمر متاحا لهذا الحد؟ أم أن سياق الدعوة القرآنية إلى الصبر والتعفف هو سياق مرتبط بحال حرص الطرفين أو أحدهما على الالتزام بالاعتبارات المجتمعية؟


والسؤال الثاني: هل هذا الطرح ليكون مسددا يحتاج إلى خدمته عبر خلق تعديل ثوري -إن صح التعبير- في القناعات المجتمعية حول كون العلاقة الزوجية هي شأن خاص يقرره الزوجان، وليس لمن حولهما سوى المباركة على اختيارهما؟ وما مدى واقعية ذلك في ظل مقصد الحفاظ على التماسك الأسري، نظرا لطبيعة الأدوار الاجتماعية، وما تستلزمه من تنازلات، وحلول وسط؟


وهل اختيار مثل هذا المنحى ملائما في ظل وجدان جمعي يرفض الاعتراف بما سوى الزواج بصورته المكتملة مجتمعيا، مما سيكون له تأثيره على القناعات الحقيقية باحترام كل طرف لنفسه وللطرف الآخر حال ممارسة الزواج السري؟


وبعد؟


كيف يمكن حسم كل الإشكالات السابقة في طرح جديد موازن، يراعي أن التراث الفقهي صار مشاعا بين الناس، كما يراعي مقاصد الشريعة في تحقيق مصالح الناس، ويقدم صيغة تناسب كافة الاحتياجات الفردية والمجتمعية، ناظرا إلى اختلاف طبيعة الفرد والمجتمع في هذا العصر عما سبقه؟

لست أملك الحل، وسطوري هذه دعوة إلى النهضة إليه.. والله المستعان.
                                       

نشرت في أون إسلام : 5/ مايو/2008


مقالاتي القديمة 5: الحجاب أم الطلاق .. قراءة في فقه المقاصد


" نعم للحجاب وإن أدى للطلاق" هذا ما عنونت به إحدى الاستشارات في موقع إسلام أون لاين، وقد كتبت إلى المسئول عن الصفحة أن العنوان غير سديد في رأيي، ولا يصح إطلاق مثل هذه العبارات.. وقد كنت سأكتفي بذلك، إلا أني خطر لي أن مناقشة هذه الفكرة أمر مهم، لتعم الفائدة بتوفيقه تعالى

"كم هي مسائل حياتنا معقدة".. كثيرا ما نتداول هذه العبارة، لكن بحس اجتماعي بحت إن صح التعبير، بمعنى أن إدراكنا لطبيعة حياتنا المعقدة لا يرتبط بإدراكنا بالدين، الذي أراد الله أن تكون أحكامه تجري على اليسر، وعدم الحرج، وتكون ملائمة لطبيعة الحياة المعقدة التي نحياها، لكن هذا عندنا مستقل عن الشرع، في كثير من الأحيان؛ لأن كثيرا من الناس يظنون أن هناك مسائل فقهية لها حكم شرعي واحد فقط مهما تنوعت حالة الإنسان.





فلنأخذ حكم الكذب مثالا، فخلافا لما هو سائد عند عامة الناس يذكر لنا العلماء أن الكذب يكون محمودا في حالات معينة، مثلا الكذب لأجل حماية إنسان بريء من بطش آخر ظالم مستبد، أو الكذب لحماية أسرار ائتمننا آخر عليها ولا مصلحة في إفشائها، وترد هنا تفصيلات عن العلماء في إمكانية اللعب بالألفاظ إن أمكن بحيث لا يكون المرء كاذبا باعتبار اللفظ، فتكون عباراته محتملة لأكثر من معنى، ويسمون ذلك تعريضا، ويقولون: في المعاريض مندوحة عن الكذب، أي في التعريض ما يغني عن الكذب.


نستنتج من ذلك أن الكذب ليس قبيحا مطلقا، إنما هو قبيح في حالات وحسن في حالات أخرى هكذا يعلمنا الشرع الحكيم، والعميق، والملائم لتعقيدات حياة الناس.
الإمام الشاطبي يحدثنا عن هذا المعنى في الموافقات في كلامه عن اقتضاء الأدلة للأحكام (الموافقات ج3/ ص71 الطبعة التي شرحها الشيخ عبد الله دراز، وعنى بها الشيخ إبراهيم رمضان / دار المعرفة بيروت لبنان)، فيذكر لنا أن الحكم الشرعي له حالتان:
إحداهما: يكون فيها خالصا من أمور أخرى ترتبط به.
والثانية: يكون مرتبطا بأمور أخرى.


ففي المثال الذي قدمت به المقالة، فإن حكم الكذب أصالة هو التحريم، لكن إذا ارتبطت به أمور أخرى مثل أن يؤدي الصدق إلى إيقاع الظلم بإنسان بريء، فالكذب هنا مطلوب، بل واجب، وهكذا يتغير حكم الكذب من التحريم إلى الوجوب؛ بسبب الأمور التي ارتبطت بالحالة الفردية.


إذن هناك أحكام مطلقة، مثل أن نقول إن الكذب حرام، لكن هذه الأحكام قد ترتبط بها أمور خارجية تجعلها تتغير بحسب ما ترتبط به.. هذه الأمور الخارجية تتنوع باختلاف الحالات الإنسانية، وطبيعة التعقيدات النفسية والاجتماعية التي ترتبط بها؛ لذلك فإن الحديث عن الحكم الشرعي في مسألة ما، هو أمر معقد، ومركب وليس بسيطا أبدا؛ لأن طبيعة الحياة كما نعرف معقدة.


وكما رأينا في المثال الذي قدمته فإن الكذب الذي هو أمر يعد معرفة تحريمه من الواضحات عند الناس، ليس الحديث عن حكمه بسيطا كما قد يظن؛ لأنه يرتبط بحالة الإنسان.

وهكذا فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما نتجاوز الكلام عن حكم واحد إلى أن نربط بين حكمين شرعيين، فنقول مثلا: "نعم للحجاب، وإن أدى إلى الطلاق"، هنا وقعنا في قضية مركبة جدا، أعطيت عنوانا عاما، فليس الحديث عن الحجاب وحده، ولكن تم ربط الحجاب بالطلاق، وتمت صياغة العبارة في صورة قاعدة كلية مثل قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار" مثلا، مع كون المسألة فقهيا جزئية تندرج تحت قاعدة كلية هي أنه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".


إن إطلاق مثل هذه العبارات يرسخ لدى غير المتخصص فهما ظاهريا، يصعب عليهم معه أن يفهموا حديث العلماء عن مراعاة القواعد العامة القطعية، والتوفيق بينها، لئلا يضرب بعضها بعضا.


ودعونا نأخذ هذه الاستشارة وعنوانها كمثال؛ لأهمية أن ندرك خطورة تساهلنا في إطلاق الأحكام الشرعية بناء على معلوماتنا العامة في الشريعة، دون نظر إلى الطبيعة المركبة لهذه الأحكام، تبعا للطبيعة المركبة لحياتنا، نفسيا واجتماعيا وماديا.


نحن دون أن نشعر نعطي لأنفسنا بذلك الحق في أن نفتي، وما هي الفتوى إلا إنزال الحكم الشرعي على الواقع، وربطه به؟!.

نفتي دون أن نعلم؛ لأن هناك أفكارًا ومعلومات عامة أخذناها منذ الصغر على أنها مسلمات، وهي كذلك فعلا، لكن في إطار معين، مثلا الكذب حرام، الحجاب فرض، الزواج مستحب، التعدد مباح، هكذا بشكل عام، لكن التفاصيل غالبا ما تجعل هذه الأحكام العامة تتغير، وحينها تنتقل هذه الأفكار التي نظنها بسيطة إلى أفكار معقدة، تحتاج إلى إدراك لمقاصد الشريعة، وترتيب المصالح والمفاسد فيها، وهذا ما يحتاج إلى عالم متأهل، لديه علم بالأحكام الجزئية، والمقاصد الشرعية معا، مع إدراك جيد لواقع الناس، واستماع جيد لكلام المستفتي، ليتبين حالته، ويبين له الحكم المرتبط بها، وفقا للمعطيات التي لديه.


في الاستشارة التي سنأخذها كنموذج، العنوان (نعم للحجاب وإن أدى إلى الطلاق) لا ارتباط مباشر لهذا العنوان باستشارة السائلة، فهي لم تذكر أن علاقتها بزوجها وصلت إلى طريق مسدود، وأن زوجها يجبرها على خلع الحجاب، غاية ما في الأمر هو وجود توتر في العلاقة؛ بسبب اختلاف في نمط حياتها كانت تمارسه، وهذا التوتر يمكن حله بمزيد من الحكمة، والمناقشة الهادئة، والدعاء أولا وأخيرا، فما الداعي إذن لذكر الطلاق هنا؟
فالعنوان بدا مصاغا بشكل يحرك مشاعر القارئ على حساب سداد المعنى، ولا أرى ذلك مهنيا على الإطلاق، فالموقع متخصص، والرسالة التي يوصلها ينبغي أن تحافظ على رصانتها، وتحافظ على المعادلة الصعبة.. الرصانة وجذب القارئ معا، دون إخلال بأحدهما، وإن اضطر الأمر لأحدهما فالرصانة لا بد أن تكون كفتها راجحة، هذا مهنيا، فكيف وقد ارتبط الأمر بإيصال الدين للناس؟


ما أناقشه في العنوان ليس فقط إدراج لفظ الطلاق برغم أنه لم يرد ذكره في استشارة السائلة، لكن هو إطلاق العبارة كقاعدة كلية كما تقدم بيانه.


وأود أن أطرح الصورة الأكثر حدية التي لم تطرحها السائلة؛ لتصب في قضية الجزئي والكلي في الأحكام الشرعية، والحكم الشرعي في حالته غير المرتبطة بعوامل خارجية، وفي حالته المعقدة، المرتبطة بعوامل متعددة، فلو ذكرت الزوجة أن زوجها ينهاها عن الحجاب، والأمر وصل لمفترق طرق بينهما، فهل يصح أن يؤخذ الأمر بمثل هذا التبسيط، ونقول لها "نعم للحجاب وإن أدى للطلاق"؟


وهنا لا بد من توضيح أمر مهم، هو أن الأحكام الشرعية رتبها العلماء وفقا لأهميتها في الشرع في مراتب، ووضعوها تحت مظلة ثلاثية، إن صح التعبير، هذه المظلة الثلاثية تشمل جميع الأحكام الشرعية الواجبة والمندوبة والمباحة والمحرمة والمكروهة، وهي متفاوتة أعلاها هي مرتبة الضروريات، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات.
والفقيه حين يوازن بين المسائل والحوادث، لا بد له من معرفة مرتبة كل مسألة، أين تقع؟ هل هي في المرتبة الأولى (الضروريات) أم الثانية (الحاجيات) أم الثالثة (التحسينيات)؟ فلا نقدم ما هو في مرتبة التحسيني على ما هو في مرتبة الضروري.
\

وليس يعنينا الآن أن نشرح تفصيلا كل مرتبة من هذه المراتب؛ لأن هذا هو شأن المتخصص، ويطلب من مظانه، لكن سأذكر مثالا يوضح هذا الترتيب الذي تحدثت عنه: وضع العلماء إزالة النجاسة، وستر العورة في مرتبة التحسينيات، وهما واجبان، وإقامة الصلاة في مرتبة الضروريات، فلو كان المرء لا يجد ما يزيل به نجاسته، أو يستر به عورته، هل تسقط الصلاة عنه؟ قالوا لا، بل يصلي بالحال التي تتيسر له، ولا يترك الصلاة.
وفي مسألتنا هذه لو خير الزوج زوجته بين الحجاب واستمرار زواجهما، فالجواب لا يكون دون النظر في الحالة الخاصة التي طرأت، ولا يصح أن نعمم الحكم.


فهذه المسألة تتعلق بها قواعد كلية، ومقاصد شرعية تضبطها، فينظر في حال تلك المرأة، وما يترتب على انفصالها عن زوجها من مفاسد، على المستوى المادي، أو الاجتماعي، مثلا إذا كانت لا عائل لها، وستتضرر حياتها تضررا يوقعها في حرج شديد، فهل نقول لها: (نعم للحجاب وإن أدى إلى الطلاق)؟


ألا يكون هنا من طاعة الخالق أن تقدم ما فيه مفسدة أقل، وهو ترك الحجاب، على ما فيه مفسدة أعلى وهو اختلال نظام حياتها كما شرحت آنفا؟ فيتخلف عن قاعدة (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهي نص الحديث الشريف، يتخلف عن هذه القاعدة بعض جزئياتها؛ لأنها اندرجت هنا تحت قاعدة كلية أخرى، وهي: (يرتكب أخف الضررين اتقاء لأشدهما)


إذ يخشى في مثل هذه الحال أن تضطرها الحاجة إلى تصرفات هي أعظم مفسدة من ترك الحجاب؛ فضلا عن كون التمسك بالحجاب إن أدى إلى انتقالها إلى حال تكون فيه في حرج شديد لشدة حاجتها، وتعثر حياتها، هو من باب التمسك بأمر تحسيني الذي هو ستر العورة في مقابل إهدار أمر حاجي وهو استقامة حياتها كما ذكرت في المثال.



وقد يقول قائل كيف يمكن للزوجة أن ترضى بتحكم الزوج في خياراتها، لا سيما أن الشرع هنا يدعمها تماما، وتخضع للزوج لمجرد حاجتها المادية إليه، في تصوري أن طرح المسألة بهذا الشكل أيضا يختزل اختلاف حالات الناس، وتنوع حاجاتهم، وطبيعتهم قوة وضعفا.


بل وإن كانت ماديا لا إشكال لديها، لكن بينهما أولاد يحتاجون إلى رعاية أمهم، والطلاق سيؤثر في تمام تلك الرعاية واستقامتها؛ لما تعلمه من تعنت زوجها أو قسوته أو عدم عنايته بولده كما يجب لهم، والطلاق سيجعله يحول بينها وبينهم، فيتعارض هنا حفظ لمقصد حاجي، وهو حفظ النسل مع مقصد تحسيني وهو الحجاب، فكيف نقدم هنا التحسيني -ستر العورة ويراجع في ذلك الموافقات للشاطبي– الذي هو المقصد الثالث في ترتيب المقاصد التي جاءت بها الشريعة على الحاجي، وهو المقصد الثاني في ترتيب المقاصد الشرعية؟ (ينظر مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور)، وكيف نقول في مثل هذه الحال: (نعم للحجاب وإن أدى إلى الطلاق)؟.

وقد فرق العلماء بين ما أوجبه الشرع لذاته، وبين ما أوجبه لأنه وسيلة لتحقيق واجب مقصود لذاته، (ذكر ذلك الإمام الشاطبي في الموافقات ونقله الشيخ عبد الله بن بيه في كتابه –صناعة الفتوى وفقه الأقليات- عن الشيخ ابن تيمية)، فالحجاب وسيلة لتحقيق العفاف وحفظ النسل، وهي وسيلة واجبة، لكن هذا الوجوب هو في مرتبة أدنى من وجوب حفظ النفس من الوقوع في مفسدة الفقر الشديد أو الحاجة الشديدة، أو مفسدة ترك الأبناء بدون رعاية تربيهم التربية الصحيحة.


ويمكن مقاربة الحجاب، بالثياب المحتشمة السابغة، في مثل هذه الحال، لاسيما أن التعبير القرآني في قوله تعالى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31] فيه مساحة واسعة يمكن من خلالها ضم القواعد الكلية بعضها إلى بعض بما يرفع الحرج، وليس الابتلاء بالإبداء الذي علل به الحنفية جواز إبداء الوجه والكفين والقدمين بأكثر حرجًا من ابتلاء المرأة بإفساد حياتها الزوجية في ظروف اجتماعية قاسية على ما بينت آنفا.
الفتوى في دين الله أمر خطير، وتقريرها يحتاج إلى متمكن من القواعد الكلية، والأدلة الجزئية معا، كما يقرر ذلك الإمام الشاطبي في الموافقات، والإعلام صار وسيلة من وسائل نقل الفتوى، وينبغي أن يكون الإعلام المتخصص في هذه الأمور دقيقا في كل ما ينقله للناس، فهذا دين، والله تعالى سائلنا عنه.