الأحد، 2 أبريل 2023

فخ التدين *

 


                                                                                 

           

 في فقه التديّن

            قبل بضعة أشهر حضرت محاضرتين تتناولان تهذيب النفس من منظور علم التزكية الإسلامي، ومن منظور علم النفس المعاصر.

             في المحاضرة الأولى أكّد المحاضِر على أن كتب علم التزكية تحفظ نفس المسلم من الشتات، وأنه يُستغنى بها عن غيرها.

            ثم جاء المحاضر الثاني ليؤكد في محاضرته على الحاجة إلى الاستغناء بعلم نفس إسلامي عن علم النفس الغربي إذا أردنا الحفاظ على عقيدتنا وديننا.

            كان المحاضران الكريمان يتحدثان بعاطفة دينية لمس صدقُها قلبي، لكن صورة صديقتي سارة كانت حاضرة أمامي، وقبل ذلك فإن فقه الشريعة لا يقبل ما تبنّاه المحاضران الكريمان من فهم يحجّر سعة الشرع وتجدده وعالميته.

            استأذنت سارة أن أشارككم تجربتها فأذنت. كانت سارة من بيت علم أصيل، وشكّلت دروس الفقه والتزكية جزءا من تكوينها النفسي، وكانت أساسا في بنائها القيمي. عاشت سارة تجربة إنسانية تحب أن تصفها بالتجربة (المشوّشة)، لم تكن قادرة على تحديد ما الذي يعصف بوجدانها؛ فهي تمارس عباداتها، وتحافظ على أورادها، وتجعل عبادة الشكر عدّتها في مواجهة صعوبات التجربة الإنسانية التي تمر بها.

            قالت سارة: عشت سنوات وأنا أزاحم بالشكر شعوري المشوّش بالأذى، وأحاول أن أتسامى عن أخلاق المحاسبة وأتخذ المسامحة نهجا وطريقا، لكن غضبا ما كان يتنامى بداخلي، مع مشاعر مرتبكة تتعلق بأني أشعر أني بت أفقد ثقتي في نفسي يوما بعد يوم، وتواصلي مع الآخرين كان سببا في عذاب داخلي عندما أخلو بنفسي وأجلدها لأني لم أحسن الكلام أو التصرّف. ومع ذلك كنت لا أفهم ما الذي أمر به، وكنت أظن أني أحتاج إلى أن آخذ نفسي بمزيد حزم لأنقذها من الوحشة الداخلية التي كنت أشعر بها تنهشني وتصدّني عن أن أرتقي بنفسي. كان هذا الظن يعذبني إلى أن جاءت لحظة التنوير. كنت في مكتبة جرير ووقع في يدي كتاب:" الابتزاز العاطفي " لسوزان فورورد. اصطحبته إلى المنزل ليفتح لي عالما جديدا من عوالم الفهم. ووجدت أن الكتاب ولكأن المؤلفة كتبته لي خاصة، كل التفاصيل تقريبا أعيشها، وكانت معاناتي هي من آثار الابتزاز العاطفي الذي أتعرّض له بشكل مستمر منذ سنوات. كان الكتاب يتضمن أساليب إجرائية لمواجهة الابتزاز العاطفي، وكان الوعي وتفعيله واقعا منقذا أساسيا لي من شتات روحي الذي كاد أن يهلكها.

            لم يكن ينقص سارة التديّن، لكنها كانت تمر بابتلاء صدّها عن أن تفهم وجعها وأن تتعامل معه بوعي يجعلها تضع الأمور في مواضعها، فلا تكون عبادة الشكر وجها من وجوه الإنكار النفسي للأذى، ولا تكون المسامحة سببا في ذل نفسها وتسلط الظلم عليها. وهذه المفاهيم التي تعلمتها سارة من كتاب من كتب المساعدة الذاتية التي تنبثق من علم النفس الغربي أنقذتها بعد أن وظفتها ضمن رؤيتها الدينية الراسخة التي تشكلت من تعليمها الفقهي والتزكوي.

            ذكرتُ في مداخلة عقّبت بها على كلام المحاضرين الكريمين أن علم النفس يساعد المتديّن ليكون أكثر تديّنا؛ لأن من عرف نفسه عرف ربه، وأن المهم هو أن تكون مرجعتينا القيمية الخاصة بنا كمسلمين حاضرة عند انتفاعنا بالنتاج المعرفي المنبثق من مرجعيات أخرى.    

            تصوغ العاطفة الصادقة المنبثقة عن التديّن وجهة بعض الذين يتناولون مسألة تهذيب النفس؛ لكنّ التديّن لا تكفي فيه العاطفة بل يجب أن يتّبع صاحبه النهج النبوي وإلا كان متّبعا لهواه، مائلا عن الحق، ووقع في فخ تديّنه الذي يفتقر إلى البصيرة. قال تعالى: (قُلْ هذه سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (. سورة يوسف: 108. 

            قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ هذا الدينَ يسرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبهُ، فسدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا ويسِّروا واستعينُوا بالغَدوةِ والروحةِ وشيءٍ من الدُّلجةِ."

            يحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن نوع من التديّن ضلّ أصحابه الطريق لمّا شدّدوا على أنفسهم مالا تطيقه ولم يسددوا ولم يقاربوا.

            وفخ التديّن الذي سنتناوله في هذه المقالة هو فخ متعلق بالتصورات التي تشكّل علاقة الدين بالتخصصات الإنسانية، وهو القسم الأكبر من المقالة، كما ستتناول المقالة فخ التديّن المتعلق بالمصادرة على حرية العقل، وسأختتم المقالة بالكلام على فخ التدين المتعلق بالدفاع عن صورة الدين دفاعا على غير هدى.

            وقدّمت لهذه المسائل بالكلام على أثر العامل النفسي في تنوع اجتهادات الفقهاء، واستيعاب طبائع الناس. 

 

بين السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

            يحدثنا الإمام الغزالي في كتابه (المستصفى) عن الفرق بين الطبيعة النفسية للصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأثر هذا الاختلاف في الأحكام الفقهية التي يرجحها كل منهما. ويضرب لنا مثلا على ذلك اختلافهما في طريقة تقسيم أموال الدولة على المستحقين؛ فأبو بكر –رضي الله عنه - يرى التسوية بين الناس في قسمة الأموال دون تفريق بينهم بحسب الفضل الديني؛ إذ قال: الدنيا بلاغ، وإنما عملوا لله عز وجل وأجورهم على الله. وعمر –رضي الله عنه – يرى أن قسمة الأموال تكون بحسب الفضل الديني أو السابقة في الدين -كما عبّر الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية- فلم يسوّ – مثلا- بين من قاتل في معركة بدر وبين من لم ينل هذا الشرف. وقال: كيف نساوي بين الفاضل والمفضول؟، ورأى عمر – رضي الله عنه – أن عدم التسوية فيه ترغيب في طلب الفضائل.

            قال الإمام الغزالي: والمعنى الذي ذكره أبو بكر فهمه عمر رضي الله عنهما، لكن الفاروق –رضي الله عنه – وجد أن القول بعدم التسوية في العطاء أقوى من القول بالتسوية، وهذا الترجيح الفقهي هو الذي غلب على ظنه بعد أن بذل غاية جهده في دراسة هذه المسألة.

             والمعنى الذي ذكره عمر فهمه أبو بكر –رضي الله عنهما- لكن الصدّيق – رضي الله عنه- وجد أن القول بالتسوية في العطاء أقوى من القول بعدم التسوية[1]؛ وهذا الترجيح الفقهي هو الذي غلب على ظنه بعد أن بذل غاية جهده في دراسة هذه المسألة؛ (وذلك لاختلاف أحوالهما، فمن خلق خلقة أبي بكر في غلبة التأله وتجريد النظر في الآخرة غلب على ظنه لا محالة ما ظنه أبو بكر، ولم ينقدح في نفسه إلا ذلك، ومن خلقه الله خلقة عمر وعلى حالته وسجيته في الالتفات إلى السياسة ورعاية مصالح الخلق وضبطهم وتحريك دواعيهم للخير، فلا بد أن تميل نفسه إلى ما مال إليه عمر مع إحاطة كل واحد منهما بدليل صاحبه، ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسات يوجب اختلاف الظنون).

            يتحدث الإمام الغزالي هنا عن أن ترجيح المجتهد لرأي فقهي ما تتدخل فيه طبيعته النفسية، وتجاربه الشخصية، واختياراته الحياتية، أو كما عبّر – رحمه الله تعالى-: (اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسات يوجب اختلاف الظنون). والتعبير بالظنون هو تعبير ينتمي لمصطلحات علم أصول الفقه، والمراد به هو اختلاف ترجيحات الفقهاء باختلاف فهمهم للدليل الشرعي الظني أي الذي يدل على أكثر من معنى كل معنى منها يمكن اعتباره.

            إن اختلاف الحكم الفقهي تبعا لاختلاف نفسية الفقيه المجتهد هو في عمق المنهجية التي جاء بها الدين في مساحات الفقه الظنية[2]؛ أي المساحات التي تتعلق بالأدلة الشرعية التي يفهم منها المجتهدون أكثر من معنى يمكن اعتباره ثم يبذلون جهدهم في ترجيح أحد تلك المعاني وفقا لقواعد الترجيح المستفادة من المدرسة العلمية التي وضع أسسها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأخذها عنه علماء الصحابة ثم تلاميذهم والذين من بعدهم الذين كوّنوا المدراس العلمية الفقهية المكتملة منهجيا و المستفادة من هذه المدرسة العظيمة.

            ذلك أن الأحكام الفقهية جاءت لتحقق مصالح الناس، ولتغيث ضروراتهم، ولتلبي حاجاتهم، ولتجعل حياتهم على وصف الاعتدال الحسن الذي تستقر به النفوس وتتجدد. شرح ذلك بالتفصيل علماء أصول الفقه في القسم الذي يتناولون فيه موضوع الاجتهاد الفقهي.

            ويؤكد علماء الشريعة على أن الدراسة المتتبعة للأحكام الفقهية التي قررها الشرع توصِل إلى نتيجة لا شك فيها؛ وهي أن الشرع جاء ليحقق مصالح الناس بما تستقيم به أمور معاشهم، وتستقر به حياتهم وتزدهر، وبما ينفعهم في عمارة دنياهم وآخرتهم.  وتحقيق مصالح الناس       لا يتحقق إلا إذا كانت التشريعات لا تصطدم مع تنوع طبائعهم النفسية، ومن هنا كان العامل النفسي داخلا في عمق تعدد الاختيارات الفقهية، ليتعبّد المسلم ربّه بما لا يشق عليه نفسيا، ويوقعه في الحرج.

            يؤسس لنا الدين القواعد التي ننطلق منها لتحديد موقفنا من القدر، وتحديد القيم التي تحكم علاقتنا بأنفسنا، وعلاقتنا بالناس، وعلاقتنا بالمخلوقات الحية وغير الحيّة، والبيئة، والكون. وهذه القواعد تسمّى بالتصورات العليا، أو النموذج المعرفي. ويستمد كل إنسان وكل مجتمع نموذجه المعرفي من الدين الذي يؤمن به أو الفلسفة الإنسانية التي يتبناها.

            ونموذجنا المعرفي الذي أسسه الإسلام هو مَدَد لسعة الاختيارات الإنسانية للمسلم عبر الفقه الظني بما يوفره من تعددية في المسائل الاجتهادية، مثل اختلاف اجتهادات الفقهاء في المسائل التفصيلية في الاقتصاد والأحوال الشخصية، وفي تنزيل القطعيات في واقع الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم. يذكر الإمام ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية مثالا على التعامل مع المحرّم القطعي في واقع لم يتوفر فيه شرط التحريم وهو عدم وجود ضرورة تترتب عليها مفسدة هي في ميزان الشرع أقوى من مفسدة ارتكاب المحرّم. والمثال الذي ذكره الإمام ابن عاشور يتعلق بضرورة مجتمعية وليست فردية فحسب وسمّاها:" الضرورة العامة المؤقتة " وبيّنها بقوله: " وذلك أن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة، وإبقاء قوتها أو نحو ذلك.".

            ويأتي الإشكال عندما تختزل بعض التصورات العليا في فهم مشوّش للقواعد أو الأحكام الفقهية في مجال علاقة الإنسان بنفسه أو علاقته بالآخرين. فيقال مثلا إن حث الإسلام على بر الوالدين يوجب على الأبناء طاعتهم في المسائل الاجتهادية أي المختلف فيها شرعا هكذا بإطلاق ولو كان في ذلك إهدار حق الابن في اختيار نمط الحياة الذي يناسب طبيعته النفسية، وإهدار حق الابن في ألا يؤدي به البر إلى حرج يبلغ مبلغ الضرورة أو ما يقاربها مما يعطّل عليه تواصله مع الحياة.

            نعم، بر الوالدين واجب قطعي، لكن وجوب البر مما يشترط فيه ألا يكون الوالدان متعنتان فيما يطالبان ابنهما به فيضيّقان عليه ما وسّعه الشرع تحكّما وإكراها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "لَيْسَ لأَحَدِ الأَبَوَيْنِ أَنْ يُلْزِمَ الْوَلَدَ بِنِكَاحِ مَنْ لا يُرِيدُ ، وَأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ لا يَكُونُ عَاقًّا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لأَحَدِ أَنْ يُلْزِمَهُ بِأَكْلِ مَا يَنْفِرُ عَنْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَكْلِ مَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ كَانَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ وَأَوْلَى ؛ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَكْرُوهِ مَرَارَةً سَاعَةً ، وَعِشْرَةَ الْمَكْرُوهِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى طُولٍ يُؤْذِي صَاحِبَهُ كَذَلِكَ.".

            الإمام ابن تيمية يتحدّث عن أن الوالدين ليس لهما أن يلزما الابن بأكل ما ينفر عنه من حلال الطعام، فكيف يُقبل شرعا أو عقلا أن يتسلط الوالدان على حق ابنهما في اختيار طريقه في الحياة؟ ولعل ما في هذا المثال من بيان ما يغني عما سواه.

            وفي صفحة دار الإفتاء الأردنية كلام حسن في هذه المسألة. ومما ورد فيه: " عقوق الوالدين المحرم هو مخالفة أمرهما بما يؤدي إلى أذيتهما، ولم يكن لأمرهما مصلحة ظاهرة لهما، ولا أثرا بالغا عليهما، وإنما نشأ عن رغبة نفسية، أو هوى قلبي."[3]

            وعندما يلجأ الوالدان مع الابن إلى المختص النفسي المتديّن تديّنا يفتقر إلى البصيرة والفقه فإنه يوبّخ الابن على عقوقه لوالديه، ويؤيد الوالدين في قسرهما الابن على ما لا يرتضيه من نمط الحياة الذي لا يخالف سعة الشرع لأنهما يتبنيان ترجيحات فقهية معيّنة، ولا يفرّقان بين المسائل المتفق عليها اتفاقا قطعيا وبين المسائل الاجتهادية. وأنا هنا أتحدث عن واقعة شهدتها بنفسي مع صديقة فجّر المختص النفسي الصراع بينها وبين والديها -والمتعلّق بمسائل فقهية اجتهادية - وزاده اشتعالا بسبب فهمه القاصر للدين.

نفسية الصراع

            حبك لدينك، ومحاولة استصحابه في تخصصك الإنساني، قد يكون فسادا من حيث     لا تشعر، لأن الدين أرحب من التصورات الضيقة التي صدّرت باسمه، ولأنك لا تمتلك أدوات تمكنك من النظر في المسائل الجزئية.

            هناك فرق بين أن تنطلق في رؤيتك الكلية لعلم إنساني ما من قطعيات دينك، وبين أن تؤدلج هذا العلم وفقا لاختيارات فقهية معينة.

            أساس الإشكال هو أن هؤلاء المؤدلجين لا يفرقون من كليات الشريعة القطعية وبين تنزيلاتها الظنية، ولا يفرقون بين قطعيات الفقه وظنياته، ولا يفرقون بين الرأي في الشرع – أي الاجتهاد فيه والذي هو محل اختلاف بين العلماء ومورد سعة ويسر- وبين رأي الشرع – وهي الأحكام القطعية أو القواعد القطعية التي لا مجال للاجتهاد فيه والتي تمثّل التصورات العليا أو النموذج المعرفي الخاص الذي جاء به الإسلام -.

            الإسلام فيه مساحة واسعة لنمو العقل البشري، وتنوع اجتهاداته، وهو لا يصادر على الخبرة العلمية والإنسانية الإجرائية، كل ذلك ينتمي إلى (براح) المباحات بل يصبح المباح واجبا أو مندوبا إذا تعلق بتحقيق أو تمام واجب أو مندوب.

            نعم، علم النفس الغربي هو علم ينطلق من تصورات فلسفية فيها ما يصادم النموذج المعرفي الذي يقدمه الإسلام. وعلم النفس الغربي ليس بريئا من الأدلجة التي تلقي بثقلها في قضاياه الفرعية لا سيما القضايا الجندرية. ولكن ذلك لا يسوّغ أن نتعسّف التأويلات لإهدار قيمة ما أسهم به هذا العلم في النضج المعرفي الإنساني.

            استمعت لطبيب نفسي فاضل يقابل بين علم النفس الغربي وعلم النفس الإسلامي في مسألة التأكيد على الحق الفردي، ويقول إن علم النفس الإسلامي يركز على حسن الخلق لا على توكيد الذات.  والإشكال هنا هو فصل توكيد الذات –بمعنى العدالة في صيانة حقوق النفس- عن حسن الخلق مع كون حسن الخلق لا يتحقق إلا بتوكيد الذات. والشرع الشريف في تأكيده على أخلاق المسامحة جعل طريق ذلك تحقيق العدالة، فلا يعان ظالم على ظلمه، ولا باغ على بغيه. وقد ذكر الإمام زروق الفقيه الأصولي المالكي في كتابه: قواعد التصوف عن الإمام إبراهيم النخعي: "كانوا يكرهون أن يُستذلوا، فإذا قدروا عفوا." قال الإمام زروق:" وهو عين الواجب، ومقتضى عز المؤمن وقيامه بحق الشرع والطبع الكريم."

            ولكأن أسلمة العلوم باتت مظهرا لنفسية الصراع التي انبثق منها الخطاب الديني سنوات طويلة ولكأن الأصل في التعامل مع الآخر –غير المسلم – ثقافة وحضارة هو العداء لا السلم والرحمة، وكيف يكون الإسلام رحمة للعالمين إن لم يكن الأصل هو البر بكل ما تعنيه هذه الكلمة من الاحترام، والمودة، والنفسية المحبّة التي ترتجي الخير، وتقبل على المشتركات الأخلاقية والإنسانية، وتحتفي بثمرات العقول والخبرة المتجددة، وتنتفع بما لا يصطدم مع ثوابت دينها.

مصالح مرسلة:  

            النموذج المعرفي الذي يتبناه المسلم والذي يتصل بإيمانه بالله عز وجل هو أساس مهم مُعِين في سكينة النفس، لكن المسلم يحتاج مع هذا النموذج المعرفي إلى ما يعينه على جعله فاعلا في سلامه الداخلي، ومن هنا جاءت الآيات الكريمة المؤكدة على أهمية العلاقات الإنسانية التي تعضد الإنسان وتعينه على صعوبات الحياة. فالمسلم الذي يتعرّض للظلم يحتاج إلى أن يعان على رفع الظلم، لئلا يعصف به القهر والغضب، والله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم، فلا تكون استعانته بأخيه على ما تهدأ به نفسه من بوح في أدنى الأحوال إلا وسيلة من وسائل إعانته على تخفيف وطأة الأذى الذي وقع عليه.

            كيف يكون البوح عاملا مساعدا يحقق الذي حث عليه الدين من نصرة المظلوم، ورفع الحرج عن ذكره من ظلمه بالسوء، هذا مما تعلّمنا إياه الطرق الإجرائية التي جاء بها علم النفس الغربي والتي لا تصطدم بقطعيات الشرع، ونحن نستفيد من هذه الطرق الإجرائية ضمن التصورات العليا الخاصة بنا كمسلمين.

            طريقك إلى ربك يكون بتنظيم علاقتك بنفسك، فأن يعد الأخذ بالمسائل الإجرائية في علم النفس مثلا صدا عن مركزية الإله فهذا كلام يفتقر للفقه.

            يحدثنا الإمام الغزالي في الإحياء عن أن طريق تنوير القلب بالذكر هو تطهير القلب من أمراض الأخلاق كالحسد، والحقد، والكبر، والعجب ونحو ذلك. وعلم النفس قد يكون سببا لتفكيك تراكمات مشاعرك، وتنوير قلبك.

            هذه الإجراءات النفسية هي مسالك ينظر فيها فإن لم تخالف النموذج المعرفي الذي جاء به الدين؛ فهي مستوعبة فيه ضمن سعة باب المصالح المرسلة وهي المصلحة التي                 لا تخالف نصّا شرعيا، ولم يدل عليها دليل شرعي خاص. فكل مصلحة لم يدل دليل شرعي خاص على اعتبارها، ولم تخالف نصا شرعيا، فهي مصلحة يصح للمجتهد اعتبارها.

            يقدّم الدين قواعد عامة، وبعض التفاصيل الإجرائية لكنه لا يصادر على الخبرة البشرية المزدهرة بل يحتفي بها ويتجدد ويشرق.

            جاء الدين لتحقيق مصالح العباد على كمالها، واحتفى بالعقل ليكون صلاح الدنيا سبيلا إلى صلاح الآخرة، وقدّم لنا قواعد عامة تحفظ هذه المصالح وتنميها. هذه القواعد بمثابة الأرض طيبة التربة التي تزدهر وتخضر بنتاج عقول البشر وخبراتهم وليست سياجا يحدها ويقيّدها القيد الذي يحرمها من التجدد.

عقل ناقد  

            تنمية العقل الناقد، واحترام الحق في الاختيار الحر للقناعات ضرورة لترسيخ الدين، والصد عن ذلك اضطراب، وفتنة.

            وهذا من فقه المآلات- أي فقه النظر في تحقق مقاصد التشريع -؛ ذلك أن قسر العقول على الأفكار لا ترتضيه النفوس الأبية التي تعلي قيمة الاختيار، هذه القيمة التي أعلاها الشرع والتي غفل عنها بعض المتديّنين؛ فالإيمان اختيار، والطاعة اختيار، ولو لم يكن الأمر كذلك لما جعلت الآخرة جزاء وعاقبة.

            استمتعت قبل أيام إلى أحد الدعاة وهو يتحدث عن مخاطر الرواية، وأنها قد تضل القلب والعقل لما للأدب من سطوة شعورية. كنت أظن حقا أن الخطاب الذي يحث على أن نسلّم عقولنا لمن يفكر بالنيابة عنّا قد اندثر، لكن الأمر لا يبدو كذلك.  نعم، السطوة الشعورية والعقلية والأخلاقية للأدب حقيقة، لكن هل الحل هو أن ننيب من يختار لنا ما نقرؤه وما لا نقرؤه؟ وهل هناك وسيلة أجدى من المنع في تحفيز العقول الحرة على اقتحام سياج ما منعت منه؟!

            نعم، أفهم أن يكون الأمر في إطار تربوي، نشرح لأبنائنا الصغار أن كتبا معينة لا تناسب عقولهم، ليس لأننا نريد أن نمنعهم منها، ولكن لأن عقولهم ليست مستعدة لها بعد، كما لو قرأ أحدنا كتابا بلغة لا يفهمها فإن عقله لا يكون مستعدا لفهم معانيه، ونبيّن لأطفالنا أن القراءة المتعجلة لكتب لا تناسب أعمارهم ستحجبهم عن الجمال الذي ينتظرهم عند قراءتها في العمر المناسب.

            هذا النقاش بين الوالدين والطفل سيكون مثمرا إذا كان الوالدان قد مهّدا له بعلاقة تسودها الثقة والحوار والاحترام. وهو منع مفهوم لأن عقل الطفل غير ناضج أما أن نعامل الناس على أن عقولهم قاصرة، فهذا يدل على أننا لم ننضج بعد، لا في فهمنا للدين ولا في خبرتنا الإنسانية، وهذه هي رؤيتنا القاصرة لا رؤية الدين.

قداسة المنهج

            (البراح) الذي تحدثت عنه تحفظه قداسة المنهج، اقرأ محاولات بحثية مهمة لتجديد الخطاب الديني في مسائل تربوية وأسرية، وتقدّم تلك المحاولات البحثية نتائج تتسق مع نضج الخبرة البشرية في المسائل الإنسانية، لكنها محاولات تفتقر إلى سداد المنهج الذي هو دين نتعبّد الله به؛ فنحن نتعبّد الله بالطريق الذي نستنبط منه الأحكام، والحيدة عن ذلك زيغ ومن ذلك أن يُجعل النص في مقابلة مقاصد الشريعة مقابلة تناقض لا تكامل.

            والحق أن يُفهم النص في ضوء المقاصد الشرعية، وتنضبط المقاصد بالنصوص في تكامل منطلقه النص الشرعي.

            ومن فساد المنهج أن يعامل علم مصطلح الحديث كعلم قطعي لا ظني اجتهادي، فيخوض فيه الباحث خوضا يغفل اجتهادات أهل هذا العلم، ويتقحم أسواره دون مراجعة أهل التمكن فيه، ويعامل الحديث الضعيف معاملة الحديث الموضوع، وبسيف المقاصد يُضرب فقه الحديث دراية في مقتل.

التديّن والبصيرة

            التديّن الحق هو الذي يجعلك تتورع عن تناول مساحات لست من أهلها، وعنايتك بجعل الدين حاضرا في حياتك وحياة الناس ينبغي أن تقودك إلى أهل التمكن في الفقه تستعين بفقههم ويستنيرون بتخصصك، لا أن تقوم مقامهم ظنا منك أن ثقافتك الدينية العامة تغنيك.


* نشرت المقالة في موقع حجرة ورقة مقص : في 11 رمضان 1444هـ الموافق 2 /إبريل/ 2023م


 https://t.co/UXLYuc6JI6

                                                                            

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] النقل عن الإمام الغزالي في المستصفى بالمعنى، وما كان نص كلام الإمام الغزالي وضعته بين قوسين.

[2] الأدلة الشرعية تنقسم إلى قسمين: أدلة قطعية، وهي التي ثبتت ثبوتا تاما. وأدلة ظنية: وهي ما تطرق إليها الاحتمال، فتشترط شروط مفصلة في الاستفادة منها. ينظر شرح القطع والظن في الأحكام الفقهية في مقالتي بعنوان: في فقه السعةhttp://mudawala.blogspot.com/2020/10/blog-post_19.html.

[3] ينظر نص الفتوى في هذا الرابط: https://aliftaa.jo/QuestionPrint.aspx?QuestionId=859

الاثنين، 2 يناير 2023

قراءة في كتاب ( عن التعب ) لبيتر هاندكه

 نشرت لي اليوم في مجلة الجوبة الثقافية العدد 77 قراءة في كتاب : " عن التعب " لبيتر هاندكه . أرجو أن تحبوا الوقت الذي ستقضونه برفقتها. 

هل أنت بخير؟

        لم أقرأ كتابا جعلني أشعر في رفقته بأنه يطمئن عليّ بشكل شخصي مثل هذا الكتاب، لقد نجح المؤلف: "بيتر هاندكه"[1] في أن يؤنسني بهذا الشعور عبر حديثه الهادئ المشرق.

        كان بيتر هاندكه يحكي عن تعبه الخاص ولكأنه يحكي عن تعب إنساني مشترك، ولقد شعرت بدفء حكاياته، ذلك الدفء الذي نشعر به في صحبة صديق مقرّب نتوحد معه في مشاعرنا، وتغدو قصصنا ذات معنى واحد وإن اختلفت تفاصيلها.

الطيبة والتعب:

        يتحدث بيتر هاندكه عن التعب بوصفة امتيازا لا يهنأ به إلا الطيبون الذين يساندون بعضهم بعضا وهم يخوضون مشاق الحياة لتكون لحظات التوقف المؤقتة زادا روحيا لكل تجليات الألفة والنقاء.

يحكي لنا هاندكه عن التعب الجسدي المشترك الذي جمع أهل قريته –رجالا ونساء وأطفالا-  في مطلع الخمسينات في مواسم الحصاد: " ... ترتعش الركب، فنتهاوى ونترنح، ولكن لم يخل ذلك أبدا من المرح. تجد أيادينا وسيقاننا مخدوشة، وفتات القش يملأ رؤوسنا، ويستقر بين أصابع أيادينا وأقدامنا، أما فتحات أنوفنا – رجالا ونساء وأطفالا- فلم تكن رمادية اللون، بل سوداء يملؤها التراب. هكذا جلسنا بالخارج، تحت شمس الأصيل، نستمتع بنكهة ذلك التعب المشترك... فقد جمعتنا ووحّدتنا سحابة من التعب الأثيري إلى أن تصل الشحنة التالية.". النقل بتصرف.

يقدّس هاندكه هذا التعب الذي " نتحد به وننقى بسببه "، ويجعله هبة عظيمة يحرم منها الفاسدون الذين يأكلون حقوق الناس ظلما، يقول: " ولكن المجرم الذي ينجو بفعلته، لا يجد صعوبة في الخلود إلى النوم في أي وضع ... فهو لا يعرف شيئا عن التعب، فما بالك التعب الذي يوحّد الأفراد؟ ولا شيء في العالم بأسره يمكن أن يجعله يشعر بذلك، إلا إذا تلقى العقوبة التي يستحقها، ولعله يتوق إليها في الخفاء".

وقل ما قاله هاندكه عن الحرمان من لذة التعب، والبذل النقي، والإيثار في كل علاقة إنسانية يختار أحد أطرافها أن يكون شحيحا فلا يؤدي حقا، ولا يصدق في القيام بواجب، وتكون مصلحته الخالصة مدار تصرفاته وإن أضر وآذى غيره.

 إن الذي لا يكلف نفسه تعبا لأجل صون الحقوق محروم من تذوق لذة الشعور بالانتماء، والصلة التي تهب القلب مسرّة التعاطف التي يخص الله بها الطيبين.

الطفولة والتعب:

        افتتح هاندكه سيرته مع التعب بقصة حدثت له في طفولته، فيحكي لنا أنه حضر مع عائلته ذات ليلة قدّاس منتصف الليل في الكنيسة، يقول هانكه إنه شعر حينها بتعب جسدي، لكن هذا التعب لم يكن خالصا بل تخللته مشاعر مرهقة وثقيلة؛ لأنه كان خائفا من أن تكتشف عائلته تعبه فيغادرون اجتماعهم الذي يعظمونه ويحبونه لتعلقه بدينهم، ولأنه ملتقى الأصدقاء والجيران.

وقد حدث ما كان يخشاه هذا الطفل الطيب، وتنبهت عائلته لتعبه، وغادرت الكنيسة، لكن الأمر كان أسوأ مما توقع الطفل؛ لأن عائلته أخذت تلومه على تعبه الذي أفسد عليهم اجتماعهم ولكأنه كان مسؤولا عن خذلان جسده له، فكان لومهم سببا في تضخم شعوره بالذنب، وجثم على قلبه شعور زائد بخذلان عائلته له بعدم إحساسهم بأنه كان يهتم لأمرهم.

قال هانكه: " تسللت مشاعر الذنب إلى إحساسي بالتعب حتى حوّلته إلى ألم شديد. تألمت لأني خذلت عائلتي... تألمت وكأن رأسي مربوط بشريط فولاذي، أو كأن الدم قد انسحب من شرايين قلبي وحتى الآن – أي بعد مرور عدة عقود – ما زلت أشعر بالذنب عندما يراودني الإحساس بالتعب. لكن الغريب في هذه القصة هو أن عائلتي انهالت عليّ بعبارات التوبيخ دون أن يلتفت أي منهم إلى نوبة التعب التي أصابتني.".

تعجُّب هاندكه من موقف عائلته لم يجب عنه الزمن الممتد. يروي هاندكه القصة بعد سنوات طويلة ويصف موقفهم بالغرابة، ولعل موقفهم أربك وجدانه، فكيف يسلبونه بلومهم الأمان وهو يعدّهم ركنه الشديد؟ لقد عجز هانكه -مع هذا التشوش- أن يتبيّن افتقارهم إلى النضج العاطفي.

يقول لنا هانكه - عبر قصته هذه –إن الأطفال لديهم نضجهم الخاص، وأعني بالنضج هنا الإحساس بالمسؤولية تجاه مشاعر الآخرين وحقوقهم. دعونا نتخيّل أن عائلة هاندكه تعاملت بمراعاة مع تعبه لكنها لم تدرك إحساسه بالذنب ولم يتحدث هو عنه، ودعونا نتخيل أيضا أن تعب هاندكه الجسدي كان ملازما له، وسببا في حرمان العائلة من نشاطات تهمها، كيف سيتعامل الطفل مع الشعور بالذنب الذي لم يلاحظه أحد، وما أثر هذا الشعور على اطمئنانه النفسي؟ 

الحب والتعب:

         بعد حديث هاندكه عن التعب الجسدي وآثاره الوجدانية تناول نوعا آخر من التعب، تعب منشؤه النفس لا الجسد؛ إنه تعب الأحبة بعد أن يألفوا المشاعر التي داهمت قلوبهم، كما تألف العين – بعد حين -  النور الذي يباغتها في الظلام.

        يقول هاندكه إن الحب بعد أن تهدأ سَورة البدايات، وتذهب سكرته، قد لا يكون كافيا وحده، وحينها يتنبه الطرفان إلى أنهما يجب أن يناقشا بجدية تفاصيل تتعلق باختلاف طباعهما، وقيمهما، وثقافتهما، وطموحاتهما، وتصورهما عن الحياة المشتركة.

        قد يقتحمهما الإحساس بثقل التعامل مع تعقيدات هذه التفاصيل، وقد يصد –بسببها– أحدهما عن الآخر، لكنهما قد يكتشفان لاحقا مساحات للتقارب، ويرفد الحب العقل بما يمكّنه من صون العلاقة وتنميتها.

        يقول هاندكه: " أريد أن أحكي عن أنواع أخرى من التعب، مثل ذلك التي تتسبب به المرأة، فهو أشبه بالظواهر الفيزيائية، وكأنه نوع من الانشقاق، لا يصيبني وحدي، بل يصيب المرأة أيضا بنفس القدر... ترى الحبيبين يقفان مع بعضهما، أو يجلسان معا، ليفترقا فجأة، بين عشية وضحاها، بلا رجعة... صرنا بعيدين عن بعضنا، صار كل منا غارقا في مشاعر متزايدة من التعب، لكنها مشاعر لا توحدنا، فتعبي أنا هنا، وتعبك أنتِ هناك. يمكن أن نطلق على هذا النوع من التعب اسما آخر، مثل "الفتور" أو "الغربة " لكن كلمة " التعب " تحمل في طياتها معنى " الحمل الثقيل".

        لم أقدر أبدا أن أقول لها: " أنا تعبت منك " ولم تقدر هي كذلك على البوح بتعبها على الرغم من أننا لو كنا أطلقنا تلك الصرخة المشتركة لتحررنا من جحيمنا الفردي. لقد تلبسنا شيطان التعب حتى سيطرت علينا مشاعر الخوف، ولم تنج علاقتنا إلا بعد أن تخلصنا من الخوف. ". النقل باختصار وتصرّف.

        في كلام هاندكه عن الحب والتعب نجده يتنقل بين الحديث عن الأمر بشكل مجرّد وبين تجسيده في حكاية وقعت في سياق معيّن، ولكأنه كان مترددا في أن يبوح بقصته الخاصة، فاختار الجمع بين العام والخاص، وكان أسلوبه فيه تهذيب، وصدق، وتأمل لطيف.

الكتابة والتعب:

        تتصل الكتابة بالتعب، يرافقها وترافقه، تعب حال الكتابة، وتعب بعد الانتهاء منها، إنه تعب ينهك الجسد، لكنه قد يرتقي بالروح، فتصبح أكثر نقاء وإخلاصا لقيمها، ويفتح لها نوافذ جديدة في صلتها بالناس والحياة.  وقد يكدّر تعب الكتابة الروح بالغرور والاستعلاء على من لم ينعم بلذة المعرفة، والغوص في بحرها، واستخراج كنوزه عبر الكتابة.

يقول هاندكه: " احترفت الكتابة، وواظبت عليها زمنا، وعندما أخرج إلى الشارع كنت أشعر وكأنني فقدت صلتي بكل من حولي، وكان انعزالي هذا يفرز بداخلي إحساسا عذبا، لم يكن المجتمع غير متاح لي، بل كنت غير متاح للمجتمع، ولكل من حولي. لقد تحوّلت إلى كتلة من الغرور. صرت شخصا باردا يحتقر الآخرين، ويقلل من شأن المهن الأخرى (التقليدية)، التي لا يمكن أن ترقى إلى مستوى: "التعب الملكي" الذي يتسلل إليّ أثناء تأدية عملي. فبعد الانتهاء من الكتابة، حرصت على أن أظل "ممنوعا من اللمس " وكأني متوّج على عرشي." النقل باختصار وتصرّف.

لم ينقذ هاندكه من لعنة الغرور التي أصابته إلا وقوعه في تجربة قاسية -لم يتحدث عن تفاصيلها-أعادت له إنسانيته، وتوازنه العاطفي، وتواصله المعتدل مع الناس.

بعدها استلهم هاندكه من تعب الكتابة نوعا مختلفا من التواصل مع الناس. يقول هاندكه: " فمع ذلك التعب الذي تصاحبه البصيرة، يحكي العالم قصته دون كلمات، في طيات السكون التام. يقصّها عليّ، ويقصّها على هذا الشيخ الذي يجلس هنا بجواري، ويقصّها على تلك المرأة الجميلة التي تمر من هناك. تتشكل تلك القصص من تلقاء نفسها أمام عيني. " . النقل باختصار وتصرّف.

تجليات التعب :

        ارتحل بنا هاندكه -من خلال سيرته الشخصية -عبر تجليات التعب على أخلاق الإنسان، وقيمه الوجودية، وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، ونضجه فكريا ووجدانيا. وقد كانت رحلة ثرية أدبيا وإنسانيا في كتاب لطيف الحجم يبلغ عدد صفحاته ست وخمسين صفحة. وقد قدّمت في هذا المقال قراءة في بعض محطات هذه الرحلة.

 ترجمت الكتاب: د. رضوى إمام، وقد أعجبتني سلاسة لغة الترجمة لولا صعوبات تتعلق بكون بعض فقرات النص مكثفة المعنى، ولعل المترجمة لو بسطت تلك المعاني لتجلّى المقصود منها تجليا تاما.

 ألف هاندكه الكتاب في عام 1989م، وقد نشرت الكتاب مترجما إلى العربية دار صفصافة للنشر في القاهرة  في عام 2020م.

 

 

 

 

       

       

 

 

 



[1] كاتب ومترجم نمساوي، حاصل على جائزة نوبل للآداب للعام 2019.


الأربعاء، 28 ديسمبر 2022

وماذا أيضا أيها القدر؟

 

في ديسمبر 2021م قرأت كتاب: " الكاتبات والوحدة" للأستاذة: نور ناجي، كان الكتاب ثقيلا بالألم، والخذلان، وقسوة الانكسارات، ووجدتني أكتب عن أثر الرؤية التي يعتنقها المرء في صلابته في مواجهة ظلمة الأيام، وكان القدر يراقبني بصمت ليعلمني درسا جديدا في التواضع أمام تجارب الناس ومعاناتهم.

كنت قد سرت عاما كاملا في طريق خلقت فيه رؤيتي الجديدة لنفسي وللحياة، كنت ممتلئة بما تعلّمته، وأيقنت – وقتها-  أن العقل إذا ائتلف مع الوجدان معرفيا استنار الطريق فلا كدر ولا غبش.

وخرج القدر عن صمته، وأهداني امتحانا جديدا لإنسانيتي، كان امتحانا قاسيا، جعلني أسقط في هوة نفسية مؤلمة، ووجدتني أتعامل مع المنطقة العمياء في روحي من جديد. أين كل ما تعلّمته؟ أين القوة التي كانت تملأ قلبي؟ أين الفهم الذي كنت أظن ألا ظلمة بعده؟

كل ذلك كان حاضرا، لكنه كان عاجزا عن مساعدتي لحين. كان القدر يريد مني أن أعيش الحياة بنفسية المتعلّم التي يزيّنها التواضع، والذي لا تغيب عن قلبه دهشة الأسئلة.

يقول ستيفان زفايغ في كتابه عن ماري انطوانيت: " ما يقرر العلاقات إنما هو المهارة لا القوة، وعلوّ الإرادة لا سمو العقل".

لا يكفي أن تمتلك عقلا راجحا، وفهما ناضجا، وإنما يجب أن يرافق ذلك امتلاكك للمهارة والإرادة بما يمكّنك من إدارة علاقتك بنفسك والناس والحياة.

كان هذا هو أهم درس تعلّمته في عام 2022م، لا ليس أهمية الاجتهاد في سياسة النفس للتحقق بالمعاني التي نؤمن بها أو ما أسميه: (ما بعد الشفاء بالمعنى)، نعم، هذا درس مهم أهداني إياه القدر هذا العام، لكن الدرس الأهم هو ألا يغرّني فهم ولا نضج ولا تحقق وأن أعيش أيامي بقلب يرافق الأسئلة وترافقه، وعقل يحترم عقول الناس وآرائهم ومواقفهم دون أن يحاكمها أو يتخذ من قطعياته قاضيا وخصما.

الخوف من الخمسين:

       نعم، لقد بقي عامان وأدخل بوابة الخمسين – اللهم عفوك وعافيتك-، لقد ظللتني هذه الفكرة طيلة هذا العام بأسئلة وجودية مربكة، كيف مرّ العمر، ومتى؟ كنت أظن أني سأبلغ هذه المرحلة بوصف نفسي مختلف، لكني أعيش وجدانا تتخلق فيه الأسئلة وتتجدد.

       كتبت أريكا يونغ عن " الخوف من الخمسين" واقتنيت كتابها لعلي أجد فيه حديثا يؤنسني ويعلمني، لكني وجدت فيه تجربة لا تشبهني ولا تقترب من روحي وعقلي، وعزمت أن أعيش تجربتي بطريقتي.

العمر ليس مجرد رقم، نحن ندرك ذلك جسدا، وندركه عقلا، وندركه تجربة وشعورا، لكن العمر هو وسيلتنا إلى الامتنان لهدايا القدر من الفهم، والنضج، والوعي، والتواضع؛ لنكون سندا لمن حولنا، وأمانا لأحبتنا، وأكثر إدراكا لقيمة أن نعيش الحياة أكثر اتساقا مع قيمنا، وأكثر صدقا، وأكثر هدوءا، وصبرا، ورحابة، ومع ذلك كله وقبله وبعده أكثر تسامحا وتعاطفا مع أنفسنا والآخرين.

كتب وأشياء أخرى

       الكتابة بالنسبة لي فعل وجودي فليس من السهل عليّ مثلا أن أكتب قراءة في كتاب لم يلمس روحي أو يهدي عقلي إشراقة ما، لذلك أعد القراءات التي أقدمها في مجلة الجوبة نصوصا وسيطة، وأحيانا تكون أقرب لأن نسميها نصّا في أفياء الكتاب أو على شاطئه كما في قراءة كتاب: " توقف عن البقاء وحيدا " لكيرا آساتريان.

       وفي هذا العام 2022م بدأت الكتابة مع موقع: حجرة ورقة مقص وهو موقع يقدّم مقالات رصينة فكرية ونفسية واجتماعية. أهمية تجربتي مع هذا الموقع تنبع من أني قدّمت مقالات تمزج بين الإنساني والشرعي وفقا لرؤية رحبة مرتكزها السلام         لا الصراع.

       وفي هذا العام أيضا بدأت طريقا مهنيا جديدا عبر تحرير الكتب مع إحدى شركات المحتوى، مستمتعة بالتجربة لأنها تصب تماما فيما أحب عمله، صحبة المعاني، وإعادة خلقها وتشكيلها منهجا وصياغة.

آمنة وإثراء

       هل نفخر بنجاح أبنائنا لأننا جزء منه؟ الأمر ليس مطلقا، لكن إذا كنا جزءا من الرحلة الخاصة لنجاح معيّن أكرمهم الله به، فيحق لنا حينها أن نفخر بثمرة جهد وفقنا الله إليه، ووقت قمنا فيه بواجبنا بحب وصبر ومثابرة.

       ترشحت آمنة للمرحلة الثالثة من مسابقة (أقرأ) التي ينظمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي (إثراء)، وسافرت معها إلى الخبر لحضور المخيم الإثرائي، وكانت تجربة أضافت إلى آمنة إنسانيا وثقافيا، وخلقت هذه التجربة مساحة مشتركة جديدة بيني وبينها، مساحة خلقتها أياما عشناها خارج السياق اليومي المعتاد، وأنسنا بأوقات ثرية بالاحترام والثقة والمساندة والحب. وكانت بداية المخيم الإثرائي في يوم 26 نوفمبر يوم ميلاد آمنة لعامها العاشر ولكأنه إشارة من القدر إلى أن المخيّم هو هديّة ربّانية تعيننا على حسن الظن برب كريم لطيف خبير.

       أحببت الخبر، أحببت هدوءها ورقيّها، وطيبة أهلها وروحهم الودودة والمضيافة، وعشت تغييرا كنت بحاجة إليه، وكسبت صداقات أعتز بها.

قرارات مؤجلة

       لا أحب المساحات الرمادية؛ لكن الأيام علمتني أن الرمادي هو لون الحكمة أحيانا. الصبر قوة وطيبة، أذكر نفسي بذلك كلما أرادت أن تتعجّل.

ولا زلت أحاول

       جوهر إنسانيتنا هو المحاولة، المحاولة لفعل ما نتيقن أنه صواب، أو ما نرجح أنه صواب. والرجحان كاف وطلب اليقين قد يؤدي بنا إلى ظلم أنفسنا.

الخطأ لا يعرّفنا ولا يلطخنا ما دمنا لا نتكبر عن الاعتراف به، وما دامت أخطاؤنا ليست ظلما نرد الحق به، أو نحتقر به الآخرين، ونصد تجبّرا عن إيفائهم حقوقهم.

       شرف المحاولة هو شرفك الإنساني الذي تشرق به نفسك وتتجدد. اللهم توفيقك إلى محابّك من الأعمال، وعفوك، وعافيتك.

الاثنين، 3 أكتوبر 2022

قراءة في كتاب: " عندما تحب النساء أكثر مما ينبغي "

 * نشرتُ هذه المقالة في مجلة الجوبة العد 76/  أكتوبر 2022م . 

توطئة :

" إن الألم الذي تشعر به إنما هو تحطيم للقشرة التي تغلف إدراكك " .

   جبران خليل جبران .

       يحدثنا د. ديفيد دي. بيرنز في كتابه : " الشعور الجيد " عن أن كتب المساعدة الذاتية الجيدة تقوم مقام الإخصائي النفسي في مساعدة كثيرين ممن تساعدهم طبيعتهم النفسية على الاسترشاد بالمعاني المسطورة، وتكشف لهم من أحوال نفوسهم، وحاجاتها، ما يعينهم على الخروج من أزماتهم، وصراعاتهم الوجدانية.

 وقد اختبرت ذلك بنفسي عبر كتب كانت بمثابة المرشد والمعلم الذي أخذ بيدي في مضائق الدروب، ومما تعجبت له أني كنت أشعر بلذة معرفية في هذه الرحلة، لذة لا تفترق عن تلك التي يجدها الباحث والمتعلم في قاعات الدرس، أو في رحاب معتكفه البحثي الخاص، لكن هذا الكتاب : " عندما تحب النساء أكثر مما ينبغي " للكاتبة والأخصائية النفسية روبين نورود عرفت معه معنى معرفيا جديدا، المعنى الذي تحدث عنه جبران حين قال : " إن الألم الذي تشعر به إنما هو تحطيم للقشرة التي تغلف إدراكك "، نعم، لقد كنت أشعر بألم تحطيم القشرة التي كانت تغلّف إدراكي، لكنه ألم يداوي ولا يجرح ، ينهض بروحك لتبصر معان جديدة تعينك لتكون إنسانا أفضل .

ميراث الطفولة :

          الفكرة الرئيسة التي يركز عليها الكتاب هي أن طفولتنا تصنع أسلوب علاقاتنا، فالطفولة المضطربة في أسرة اختلت فيها العلاقة بين الوالدين من جهة، وبين الوالدين والأبناء من جهة أو تعرّض فيها الطفل لصدمات نفسية مستمرة، تصنع هذه الطفولة المضطربة اختلالا في علاقات هؤلاء الأطفال عندما يكبرون، فيتعثرون في علاقات غير صحية، ويجدون صعوبة في إدراك سبب عجزهم عن بناء علاقات متوازنة وداعمة.

لا أجد أن من المنهجي التأكيد على هذه الحتمية بين الطفولة المضطربة والعلاقات المضطربة، فلعل عوامل داخلية أو خارجية يكون لها الأثر الجيد في تخليص ميراث الطفولة القاسي مما شابه من صدمات.

زخر الكتاب بالأمثلة التي تشرح الأزمات النفسية التي يعانيها الطفل في أسرة ذات علاقات مختلة، وتجليات هذه الأزمات على سلوك الطفل، مما يجعل الكتاب ينتمي إلى حقل الكتب التربوية بقدر انتمائه إلى حقل الكتب التي تتناول مسائل العلاقات، إذ يحمل الكتاب في طياته إشارات تربوية جليّة تنبه الأمهات والآباء إلى أمور ينبغي عدم إهمالها، فإن حصل تفريط متعلق بها وجبت معالجته وإلا وقع الوالدان  في (كبيرة ) تربوية إن صح هذا الدمج بين ما هو فقهي وما هو تربوي ، وهو عندي صحيح لأننا محاسبون على التربية الحسنة، وليست الوالدية تشريفا مطلقا بل هو مقيد بأداء حقوق الأبناء التربوية.

يحدثنا الكتاب عن أن الطفل المرح، الذي يبدو أنه غير مكترث لاضطراب العلاقة بين والديه، هو في الحقيقة يهرب من خوفه من انهيار الأسرة إلى الاضطلاع بدور المنقذ لتكون طريقة تفاعله عاملا مساعدا في تهدئة العلاقة بين والديه.

ويحدثنا عن أن الطفل الذي يبدو لوالديه غير مهتم إلا بدراسته وتفوقه هو في الحقيقة يفعل ذلك لأنه يريد أن يفعل شيئا صائبا يحث والديه على الحفاظ على كيان الأسرة، ولكأنه يشعر بذنب خفي إن قصّر في أن يحافظ على الأسرة من خلال نجاحه الدراسي وهو في ذلك يحمّل نفسه عبئا سريا ثقيلا، ومسؤولية لا تتعلق بحلمه الخاص بل بالحفاظ على لم شمل الأسرة.

كما يحدثنا عن الطفل الذي يقوم برعاية والدته أو والده عند انهيار أحدهما بسبب مشكلات في العلاقة مع الآخر، وكيف أنه ظاهرا يبدو متماسكا وملاذا آمنا لوالديه أو أحدهما، وتبدو علاقته بهما علاقة ناضجة، وهي في الحقيقة علاقة تسلب أمان الطفل وحقه في أن يحيا طفولة يكون فيها الأبوان سندا له لا العكس.

 لقد شعرت كأني أسبح في بحر عميق غوره، ولكأن الكاتبة أرادت ببحر الأمثلة هذا أن تدرب عقول المربين على طريقة نظر تربوية جديدة تخلق في داخلهم ملكة تجعلهم في حال يقظة تدرس سلوك أطفالهم دراسة  تتجاوز ظاهر السلوك إلى باطنه المتعلق بالدوافع، وتتحقق من تلبية حاجات الطفل العاطفية الضرورية ومدى إشباعها وفقا لمتطلبات نموه النفسية .

 في رحلتي التربوية كأم ، قرأت كثيرا من الكتب التي تتحدث عن ضرورات الطفولة النفسية، لكن أيا منها لم يجعلني أشعر بالألم الذي يعتصر القلب كما فعل هذا الكتاب، لا يمكنك كقارئ ألا تتألم وأنت تقرأ قصص معاناة الأطفال، والصراع النفسي العنيف الذي يقاسونه وهم يرجحون كفة أن يشعروا بالأمان العاطفي ولو كان أمانا زائفا عبر سلوكيات ظاهرة تتناقض مع ضروراتهم النفسية المتعلقة بأن يعيشوا طفولتهم ولا يغادروها، وأن ينالوا حقهم الكامل في  الحنان والتقدير والمساندة والقبول .

 ولعل مما ساعدني على التوازن – الوجودي-حيال مشاعر الألم الذي صاحب الإدراك التربوي الذي خلقته قصص معاناة الأطفال المذكورة في الكتاب هو ما قرأته في كتاب: " تربية خالية من الدراما " من أن ما تقرر من أن  ارتباط صدمات الطفولة -المتعلقة بالبيئة الأسرية غير المستقرة، أو إساءة المعاملة من الوالدين، أو تعرّض لأذى مستمر في بيئة الطفل- بالأمراض النفسية والعقلية في مرحلة الشباب ليس ارتباطا لا يمكن معالجته؛ ذلك أن البنية المادية للمخ تتغير وفقا لما يحدث لنا، فلو  أنك عاملت طفلك معاملة سيئة أو خاطئة في زمن ما فلا زال الوقت أمامك للإصلاح وسيستجيب مخ طفلك ونفسيته لتغير معاملتك، ولكأن الحسنات يذهبن السيئات هي قاعدة تشمل السلوك التربوي، فأثر القسوة يمحوه الحنان ، وأثر الإهمال يمحوه التقدير والاحترام وأن تُشعر طفلك بأنك سند له، وأثر الفوضى والتذبذب يمحوه الانتظام في المعاملة الرحيمة المتوازنة التي تشعر طفلك بالأمان، وأثر التأنيب واللوم المستمر المتعلق بالكمالية يمحوه أن توصل لطفلك أنك تقبله دون شروط وأنك تقبل جوانب ضعفه كما تقبل جوانب قوته، وأثر كل خلل تربوي يمحوه السلوك الراشد الذي يجتهد الوالدان لتعلمه عبر الكتب التربوية أو الاستشارات أو الدورات.

ولعل المؤلفة في غمرة استغراقها في بيان أثر ميراث الطفولة المضطربة على العلاقات قد فاتها أن تعرّج على هذه الفكرة وكنت أتمنى لو أنها لم تغفل عنها ليس فقط لكونها ذات صلة وثيقة بموضوع الكتاب لكن لأنها نافذة أمل ضرورية وجوديا وتربويا ونفسيا.

سؤال جديد  وعي جديد

          الكتاب الجيد ليس فقط هو الكتاب الذي يقدم إجابات مكتملة أو مقاربة أو ملهمة عن سؤال يحيّرنا، لكنه أيضا قد يكون الكتاب الذي يطرح على القارئ سؤالا لم يتنبه له من قبل، فيقرأ المشهد المتعلق بالسؤال من زاوية جديدة تجعله يراجع رؤيته للأمر ككل .

          في ثنايا الكتاب وقصصه المزدحمة قفز أمامي هذا السؤال : هل ما يجمع بين هذه القصص التي تتحدث عن علاقات غير صحية هو أن أبطالها لم يدركوا أن العلاقات هي وسيلتهم لتجنب أنفسهم، وتجنب بناء علاقة آمنة بها، ولأنهم غير قادرين على صحبة أنفسهم فإنهم يستعيضون عن ذلك بالانغماس في علاقات غير صحية .

          الفكرة المهمة التي لفتت نظري في الكتاب هو أنه لا يتحدث عن أشخاص سيئين أصالة هو يتحدث – في المجمل - عن أناس يحبون الخير، ويحبون أن يكونوا أناسا جيدين، لكن لديهم عيوبهم المتفاوتة المتعلقة بالضعف البشري والتي تحتاج منهم إلى وقفة جادة لأنهم يؤذون أنفسهم ومن يحبونهم بسبب أنهم ينقصهم الوعي والرشد النفسي. .

          الكتاب وإن ذكرت المؤلفة أنه موجه بشكل أساسي للنساء الذين تسببت صدمات الطفولة في عدم قدرتهن على بناء علاقات صحية وصرن يخترن شركاء غير مناسبين لأنهم يوفرون لهن النمط الذي تعودن على التعامل معه في طفولتهن، فإنا نجد في الكتاب تنبيها على تعقيد العلاقات الزوجية و أن النية الحسنة وحدها لا تكفي لجعل هذه العلاقات صحية وغير مؤذية لأصحابها، والمشكلات التي يناقشها الكتاب لا تختص بها النساء وحدهن إذ يدرس الكتاب الحيل النفسية الخفية التي قد نلجأ إليها ذكورا وإناثا دون أن نشعر لنحمي أنفسنا من مخاوفنا الداخلية الدفينة سواء تلك التي تشكلت من خلال صدمات الطفولة أو التي ارتبطت بأوضاع حالية متذبذبة ومتطرفة نعجز عن التعامل معها .

          لقد قرأت في كتب متفرقة بعض الأفكار التي وردت في الكتاب لكن هذه الأفكار لم تستبن لي بوضوح إلا عبر هذا الكتاب، لأنه استعان بجنود مهمة لبيان أفكاره وهي القصص الذي ازدحم بها الكتاب لكنه الازدحام الذي يخدم الأفكار ويجليها بحيث تتحول الفكرة إلى حالة شعورية تساعد العقل على الفهم العميق لها .

من هذه الأفكار فكرة النمط القهري لعلاقات الطفولة إذ يحتشد الكتاب بحكايات لعلاقات لم يكن الحب فيها كافيا لجعلها علاقات مشبعة عاطفيا يتحقق فيها السكن والأمن النفسي بسبب أن الطرفين أو أحدهما عاجز عن السماح للطرف الآخر بالاقتراب من عالمه الداخلي لأنه لم يعش هذه الخبرة في طفولته فتظل العلاقة سطحية تنقصها الثقة العميقة مهما بدت مفعمة بالمشاعر الطيبة .

ومن هذه الأفكار أيضا أن البالغين الذين عاشوا طفولة تفتقر للأمان، واعتادوا على مواجهة هذا الافتقار بنمط معين من التصرفات عبر تحمّل مسؤولية الحفاظ على العلاقة بين الأبوين، فإنهم قد يتوجهون لاختيار شركاء لديهم أوضاع خاصة تجعلهم في حاجة إلى الدعم، وهذا الاختيار يجعلهم يشعرون بأن هؤلاء الشركاء لن يغادروهم، وتهدأ مخاوفهم الداخلية من التعرض للرفض أو الهجر ، بل إنهم يطورون –من حيث لا يشعرون – سلوكيات متلاعبة تحاول الحفاظ على شركائهم في حالة احتياج دائمة إليهم ،وهو أمر لا يستمر وتؤول العلاقة إلى الأذى والإحباط لطرفيها بل ولتأذي الأطفال إن وجدوا بسبب نشأتهم في بيئة غير سوية .

الكتاب يقرع جرس تحذير من أن ما يبدو لأصحابه حبا قويا جارفا هو في حقيقته تعلّق غير سوي يرتبط بمشكلات نفسية حقيقية، ومن علامات ذلك أن المتعلّق يعاني فراغا داخليا موحشا يحاول إشباع هذا الفراغ بأنماط سلوك غير سوية في علاقته بمن يحب وهو في ذلك يهرب من مواجهة مخاوفه وآلامه الداخلية وعدم قدرته على أن يكون في علاقة آمنة مع نفسه، وما قد يبدو عطاء كريما للمحبوب هو في حقيقته حيل ماكرة لمحاصرته، والسيطرة عليه، ويؤول الأمر إلى علاقات موجعة متكررة، وغربة داخلية لا تنقضي .

رحلة الشفاء:

          تبدأ هذه الرحلة من الوعي المؤلم الذي تحدث عنه جبران ، شرح مفصل -عبر القصص الثريّة -لأثر صدمات الطفولة التي لم تعالج على خلق أنماط علاقات متلاعبة، حشوها إنكار المشاعر العميقة، وإن بدت ظاهرا علاقات يهتم أحد طرفيها برعاية الطرف الآخر ومساندته.

يقول الكتاب إن الإنسان إذا لم يكن على علاقة سويّة بنفسه، يعرف لها قدرها، ويحفظ لها حقها المتعلق بقيمها، وحاجاتها، فإنه -من حيث لا يشعر -–سيؤذي نفسه وشريكه في الحياة، وأن المساندة الحقيقية هي التي تنطلق من قبولنا للطرف الآخر، وقبولنا لطريقته الخاصة في النهوض بنفسه، وإصلاح عثراته، وأن التدخل في طريقة تعامل الطرف الآخر مع ضعفه وأخطائه هو نوع من أنواع التحكم المتلاعب، ومؤشر ظاهر على حاجتنا لمراجعة سواء علاقتنا بأنفسنا.

يقدّم الكتاب رؤية واضحة لقضية اضطراب العلاقات الزوجية المتعلقة بصدمات الطفولة المؤثرة التي لم تعالج، ويضع خطوات تفصيلية ليستعان بها على الشفاء، لكن لعل المؤلفة جانبها الصواب فيما قررته من فعالية المعالجة الذاتية أو الجماعية لصدمات الطفولة بدون أن تشترط الاستعانة بمتخصص في هذا المجال. وقد نبهت إلى وجوب الاستعانة بمتخصص عند معالجة صدمات الطفولة د. هبة حريري –معالجة نفسية وأكاديمية وباحثة سعودية- في بودكاست :"مع هبة حريري ".

ختاما : لقد حرصت على عرض الكتاب بطريقة تقدّم خلاصات كلية  لأن الكتاب يفتح آفاقا للعقل والنفس تتجاوز موضوعه الخاص إلى موضوعات أوسع تتعلق به نوع تعلق .

ممتنة حقا للترجمة الجيدة التي قدمتها د. إيناس التركي للكتاب، و قد شعرت بهذا الامتنان مرات كلما قرأت عبارات أفادت المعاني العميقة بوضوح ينم عن تمكن وأصالة. وممتنة أيضا لدار الكرمة على هذا الإصدار المهم . وممتنة لتطبيق أبجد الذين وفروا الكتاب بعد طلبي ذلك منهم بأيام قليلة .

يقع الكتاب في 335صفحة لا حشو فيها ، و نشرت الطبعة الأولى للكتاب باللغة الإنجليزية في عام 1985م ، و نشر الكتاب مترجما إلى اللغة العربية في هذا العام 2022م .

                                                                 كتبته : صفية الجفري .