الثلاثاء، 27 يوليو 2021

مدخل ميسر لقراءة كتاب تنبيه المراجع

    كتاب تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع للعلّامة عبد الله بن بيه ، هو من الكتب القيّمة التي قدمت رؤية تجديدية في بيان كيف يكون الدين حيّا في حياة الإنسان المعاصر ، ووجه التجديد هو ما ذكره –حفظه الله – من نظرات وتطبيقات في علاقة علم الفقه بواقع الناس، وكيف يكون محققا لما جاء به الشرع من رعاية لمصالحهم مستوعبا ضروراتهم، وحاجاتهم،  وإكراهاتهم، وتغيرات الزمان والمكان ، وثقافة العصر،  وقيمه الحضارية .

و قد كتب الكتاب بلغة تخصصية عالية ، فليس من اليسير على غير المتخصص في الفقه وأصوله  فهمه، وقد حاولت نقل بعض ما ورد في الكتاب  نصّا أو معنى أو إشارة  بلغة سهلة  وذلك لأهمية إعادة صياغة الوعي الشرعي الجمعي بما يفقّه الناس في دينهم على بصيرة وهدى. وقصدت  أن يكون ما نقلته مدخلا لقراءة الكتاب الثري بالأمثلة التطبيقية التي تتصل بعصرنا . وارتأيت أن يكون ذلك في فقرات مركزة أسأل الله أن ينفع بها وبأصلها.

1.  يراعي الفقيه في تقرير الأحكام تحقيق مقاصد الشريعة أي المعاني والحكم والغايات التي تحصل بها مصالح الناس ويندفع بها الضرر عنهم.

2. الاجتهاد في الأحكام الشرعية في ضوء مقاصد الشريعة إنما يقبل من أهل العلم بالشريعة، فهو ليس من قبيل الثقافة العامة.

3.إهمال تفعيل المقاصد الشرعية في تقرير الأحكام الشرعية التفصيلية المرتبطة بحياة الناس هو ضلال عن نهج أهل العلم.

4.نصوص الشريعة هي بمثابة نص واحد في نظام الاستدلال والاستنباط ، فمن لم يحط بها علما ، ولم يجمع أطرافها لم يسعه أن يفقه معانيها.

5.الشريعة ليست فقط الأدلة الجزئية ، ولا هي مجرد قواعد عامة عائمة، ولا قيم مجرّدة، وبالتالي لا ينظر إلى النص الجزئي إلا من خلال القواعد الكلية، كما لا يصح تفعيل القواعد الكلية دون مراعاة للنص الجزئي . والسؤال هنا : ماذا نفعل في حال التعارض ؟ : في حال التعارض ينظر العالم المجتهد في المسألة ويوازن بما يراه أقرب إلى الحق كما يترجح عنده من خلال خبرته في فهم روح الشريعة، فقد يقدم الكلي ، وقد يقدّم الجزئي . ولا يكون ذلك لغير أهل الاجتهاد والعلم بطرق الاستنباط.

6.الحكم الشرعي الفقهي له منزلتان الأولى منهما هي أساس للثانية .

المنزلة الأولى: الحكم الفقهي الذي يستخرجه الفقيه من النص الخاص، وهذا العمل من الفقيه لا يكون منفصلا عن الأدلة الأخرى الجزئية أو الكلية العامة ، فنصوص الشريعة كما قدمنا في الفقرة الثالثة هي بمثابة نص واحد. فهذا الحكم الفقهي المستخرج مباشرة من الدليل الخاص والمتسق مع بقية أدلة الشرع يسمى : الحكم التكليفي.

المنزلة الثانية : الحكم الوضعي : ومعناه : أن ننظر في الواقع التي سنطبّق فيها الحكم التكليفي، هل هو مستوف للشروط ، أم أن هناك مانعا يحول دون تنزيل الحكم التكليفي على واقع المكلّف وهذا يعيدنا إلى الفقرة الثالثة مرة أخرى ، لأننا إذا نزلنا الحكم على واقع الإنسان دون مراعاة لحاله  فإننا قد نخالف قاعدة قطعية في وجوب رعاية فقه الضرورات أو فقه المآلات مثلا.

7.ما الدليل  على أننا يجب أن نراعي  واقع المكلّف ؟  الأدلة كثيرة من القرآن الكريم و سنة  سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم و فعل  الصحابة الكرام رضي الله عنهم .

فقد راعى القرآن الكريم الواقع ورتب الأحكام عليه ،فراعى واقع الإنسان فشرّع التخفيف في التكليف : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) ، ( علم أن لن تحصوه فتاب عيكم فاقرءوا ما تيسّر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى و آخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسّر منه ) . وراعى رد فعل عبدة الأصنام فنهى عن سب آلهتهم : ( و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) .

وذلك يمثل أصلا لرعاية الأحوال والعاقبة والأعراض والأمراض التي يبتلى بها الإنسان .

ولم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين  وهو يعلم شقاقهم قطعا وهو القدوة والأسوة وقال :    " لا يتحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " وذلك لأن قتلهم منفّر من الدين ، ومؤثر في الجماعة

-ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن تقطع الأيدي في الغزو . يقول الإمام ابن القيم :"فهذا حد من حدود الله ، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض لله تعالى من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حميّة وغضبا كما قال عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم . " . قال الإمام ابن بيه : " قلت : ويؤخذ من هذا أن الإمام العدل الراعي مصالح الدنيا والدين يجوز له أن يعلّق الحد أو القصاص إذا ترتبت عليهما مفسدة أعظم كما فعل عمر رضي الله عنه عام الرمادة ."  إذ علّق حد السرقة، وأوقف نفي المحكوم عليه في جريمة أخلاقية لئلا يفتن في دينه .

8. إن التنزيل والتطبيق هو عبارة عن تطابق كامل بين الأحكام الشرعية وتفاصيل الواقع المراد تطبيقها عليه ، بحيث لا يقع إهمال أي عنصر له تأثير من قريب أو بعيد ، فيدقق المجتهد في الدليل بشقيه الكلي والجزئي، وفي الواقع بتقلباته وإكراهاته ، و مآلات الحكم صلاحا وفسادا .

9.عدّ الإمام الشعراني في " الميزان الكبرى " اختلاف الأئمة راجعا إلى الميزان المتمثل في حالة المكلفين من قدرة وقوة تتحمّل عزائم التكليف وشدائده، ومن ضعف أو فقر تستدعي حالة الترخيص والسهولة .

10.تحدّث الإمام ابن بيه عن أننا في عصر قلق، اضطربت فيه المعاني الإيمانية ، وتشوش فيه فهم المنهج السديد، واغتر الناس فيه بمناهج حادت عن الحق تأثرا بعدوى الزمان والمكان ، وأن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة من أهل النظر . أقول : فلعل الخطاب الدعوي يحتاج إلى مراعاة ذلك ليجمع الناس على دين الله ولا يفرقهم عنه . والله أعلم  . 

                            


الأحد، 25 يوليو 2021

الاتساق بين القيم والسلوك قراءة مقاصدية.

 

                          

(قد يغفر الله ذنوبنا لكن جهازنا العصبي لايغفرها لنا) قرأت هذه العبارة من قديم في مقالة للأستاذ عبد الوهاب مطاوع -رحمه الله-  لعلها في كتاب : ( صديقي لا تأكل نفسك ) ووجدتني أتأمل الفلسفة التي تبنّاها الإسلام في قضية الاتساق بين قيم الإنسان وسلوكه فخلصت إلى أن هذه الفلسفة تقوم على قواعد خمس :

القاعدة الأولى : 

إن تحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتكميلية هي أساس التشريع المتصل بالتحريم أو ما يقاربه من مكروهات أو مباحات قد تصير حراما باعتبار المقصد أو المآل . وعليه فإن قيم المسلم المتعلقة بالذنوب التي تؤرق ضميره هي قيم تحمي مصالحه ومصالح الآخرين المعنوية والمادية .

 

القاعدة الثانية : 

لم يجعل الإسلام الذنوب كلها في مرتبة واحدة بل قسمها إلى كبائر وصغائر. والأقرب عندي هو  ما قرره بعض العلماء من أن الكبائر هي ما مست الضرورات والصغائر هي ما دون ذلك وفي فقه الشافعية تأصيل جميل ينفي وصف الكبيرة عما عمّت به البلوى لعسر تجنبه إذ أن الشأن في الكبيرة عدم يسر تقحمها . وهو تأصيل يحتاح مزيد تحرير وفهم لضوابطه .

و أجد أن فقه الإسلام في عد الصغائر مما يكفّر بالصلوات ، وحثه على أن يتبع المسلم السيئة الحسنة لتمحها ، وتقرير أن حسن الخلق من المكفرات فضلا عن العبادات الظاهرة ، كل ذلك  فيه تأكيد على أن حياة الضمير تكون بحثه صاحبه على تجنب الشر كما تكون كذلك في إعانته على تجاوز ما يقع فيه من أخطاء .

قال أحد الصالحين : مثل أثر الذنب في القلب  كمثل بقعة وقعت في الثوب إن اقتصرت في التنظيف على محل البقعة  نظف الثوب وكذا هو أثر الاستغفار والتوبة والإقبال على الله بصالح العمل أما إذا سكبت الماء على الثوب كله امتدت البقعة إلى باقي الثوب وهكذا حال من يستغرقه لوم النفس ويقعد به عن فهم الشرع وحكمته ورحمته في عدم جلد الذات واحتقارها .

       ليس مسموحا لك كمسلم أن تتسربل باليأس من ذنوبك ، فاليأس هو نوع عُجب : يقول ابن عطاء الله السكندري: " من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند الزلل ".

      بل ليس مسموحا لك أن تحكم على نفسك بأنك إنسان سيء لا رجاء منه ، لأن الإسلام يجعل باب التوبة مفتوحا كل لحظة ، ويحدثك عن أن الإكثار من فعل الخير يمحو سيء العمل ، بل ويقول لك إنك تعد من أهل الخير والصلاح ما دام لديك ضمير حي يحب الخير ويسعى للتغيير . 

 

جعل الله الذنوب كلها محلا للتكفير إلا الشرك به ، والشرك هنا هو مظهر العناد والكبر لا البحث عن الحق .

 

القاعدة الثالثة :

  في فقه الضرورات : وحيث قرر الإسلام إن الحرام مرتبط بالإخلال بمصالح العباد، فقد يتغير الحكم الشرعي في حق الفرد والجماعة بتغير الأحوال والزمان وذلك لئلا يقضي الجزئي على الكلي  .وقد يخرج الأمر من التحريم إلى الحل وذلك لأمور عارضة تتعلق بتنزيل الحكم واقعا فلا ضرر ولا ضرار ، والأمر إذا ضاق اتسع ، والأمر هنا يحتاج في كثير من تطبيقاته إلى نظر دقيق من عالم معتبر وأثبته لاتصاله بموضوعنا .

 

القاعدة الرابعة : 

      سعة مساحة الظن في الشريعة وما اتصل بها من اتساع دائرة الاجتهادات في المسائل الفقهية مما يجعل غير المجتهد قادرا على تخير الأيسر الذي يلائم نفسيته ومصالحه ما دام لا يقع في صورة ممنوعة في المسائل المركبة وكذلك لايتخذ ذلك ذريعة لتضييع الحقوق .

 

القاعدة الخامسة :

في فقه الستر : أخطاؤك هي شأنك الخاص ، فليس لك أن تفضح نفسك أمام الآخرين ، أو تهتك ستر الله عليك ، كما أنك مأمور بالستر على أخطاء الآخرين حيث لا مفسدة ظاهرة - وتفصيل ذلك في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -  ،واحترام حق الستر هو خير معين للإنسان على الترقي ، وهو أحفظ للمودة ، مادام المرء صالح القصد والعمل . 

 

      إن فلسفة الإسلام في الاتساق بين القيم والسلوك هي فلسفة تحث على الترقي في الكمالات لكنها في ذات الوقت تجعل هذا الترقي مستوعبا لضعف الإنسان وعثراته فالقيم في النموذج المعرفي الإسلامي جاءت محققة لسلام الإنسان النفسي والاجتماعي وليست سيفا مصلتا على ضعفه البشري فلا حرج ولا عنت بل يعان الإنسان على ضعفه بتشريعات تعزز خيريته واحترامه لنفسه وتنهض به وتجعل الطريق إلى الله جوهره الرفق بالنفس والرفق بالناس .

وقد قالوا : سيروا إلى الله عرجا ومكاسير، فلا تجعل جهازك العصبي المرتبط بقيم لا تنتمي إلى دينك يحاكمك ويفسد عليك قلبك باليأس ، ويغبّش روحك بخطل الفهم، بل أقبل على الله بقلب مشرق راجيا رحمته وفضله شاكرا إياه على جمال ورقي دينه وتشريعه.

                                                               حرر في فجر الجمعة 4 ديسمبر 2020

الخميس، 15 يوليو 2021

الزوجة في الإسلام .. سؤال العدالة

 


العدالة : تحرير المفهوم :

تتناول هذه المقالة سؤال العدالة المتعلق بالزوجة في الإسلام في محاولة لتحديد الإشكالات الرئيسة في هذه القضية، و لمقاربة  الجواب عن هذه الإشكالات.

هل كان الإسلام عادلا مع الزوجة فجعلها في مرتبة متساوية مع الزوج من حيث الكرامة الإنسانية، ومن حيث الواجبات والحقوق ؟

الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تناولت قضية العدالة بين الجنسين تجيبنا عن هذا السؤال بنعم، فالمرأة  والرجل متساويان في أصل التكليف، وفي ترتب الثواب والعقاب على أفعالهما، وفي التكريم الذي اقتضته آدميتهما : يقول الله تعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم ) الإسراء : 70. ويحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أن النساء شقائق الرجال .

هذه الإجابة العامة يجعلها العلماء أصلا محكما في تقرير حقوق الزوجين في الإسلام. الرجل والمرأة كلاهما في مرتبة واحدة من حيث الكرامة الإنسانية ، واحترام الحقوق في حياة  لا حرج فيها ولا ضرر ولا عنت .

وعندما تحدث العلماء عن أن الشريعة جاءت محققة لمصالح العباد، لم يفرقوا بين الذكر والأنثى في ذلك .. أين الإشكال إذن ؟

الإشكال هو في تحرير مفهوم العدالة ، الذي هو تبع لتحرير مفهوم المصلحة ، فالمصلحة كما عرّفها الإمام الغزالي هي : ( المحافظة على مقصود الشرع )[1] .

ويقول الإمام ابن عاشور : ( قد جاءت الشريعة بمقاصد تنفي كثيرا من  الأحوال التي اعتبرها العقلاء في بعض الأزمان مصالح، وتثبت عوضا عنها مصالح أرجح منها . نعم ، إن مقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة ، ولكنه ليس يلزم أن يكون مقصودا منه كل مصلحة .)[2].

ولتحرير مفهوم العدالة في مسألة الحقوق بين الزوجين في الإسلام فإن النظر في القرآن الكريم يقودنا إلى تقرير مبدأ التماثل بين الحقوق والواجبات، ويعد هذا التماثل بما يتضمنه من اختلاف في الصفة والكيفية  هو مظهر تحقيق العدالة .

قال إمام الحرمين الجويني في قوله تعالى: ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) البقرة : 228. " فاقتضى الظاهر تشبيه ما لهن بما عليهن، وهذا التشبيه في أصل الحق ، والحقان متشابهان في التأكد ووجوب الوفاء به ، وليسا متشابهين في الكيفية والصفة . " [3]

ونفهم هذا التماثل من قوله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما اكتسبن ) . النساء : 32 .

ويتحدث الباحثون في الفقه الإسلامي عن أن هذا التماثل هو تكامل تحصل به العدالة ويلائم الاختلاف في الخصائص بين الجنسين، ورغم ما أجده في هذا القول من وجاهة في بعض تطبيقاته كما في تكليف الزوج بالنفقة على زوجته إلا أني لا أستطيع أن أسلم بشكل مطلق إلا بأن التماثل عدل أما حصول التكامل بذلك فهذا مما لا أستطيع الجزم به؛ ذلك أن في التشريعات القطعية قدرا من التعبّد الذي قد لا ندرك حكمته الخاصة وإن كنا ندرك كونه محققا لمصالحنا تبعا لإيماننا بأن الإسلام دين حق وعدل، ولم يأت إلا بما هو حق وعدل.

إذن حديثنا عن أن الإسلام أعطى الجنسين حقوقهما الكاملة هو حديث فيه قدر من الإبهام المرتبط ببعض المسائل التي قد لا نتبين حكمة التشريع فيها. وهذا الإبهام يجعل مفهوم العدالة مفهوما لا تستبين لنا بعض الأحكام المتعلقة به  كحق الرجل في تعدد الزوجات .

ولكن المطمئن هنا هو أن تعبدية الحكم في فضائه التكليفي لا يقف عائقا أمام الاستفادة من الكليات المقاصدية القطعية في التنزيل الوضعي للحكم على واقع المكلفين .

والسؤال هنا:

هل يصح لنا القول إن الإبهام الذي يكتنف مفهوم العدالة بين الزوجين في الإسلام هو إبهام نظري لا تطبيقي لأن خطاب الوضع يكفل في تنزلاته درء كل حرج قد يفسد حق الزوجة في حياة آمنة لا عنت فيها.

يتحدث الإمام القرافي في نفائس الأصول عن أن تقييد النص الجزئي في بعض الأحوال بالمصلحة الطارئة جائز وأن عدم اعتبار المصلحة الطارئة مع النص إنما يكون في حال مناقضتها للنص، والتقييد في بعض الأحوال ليست مناقضة. [4]

بين القطع والظن:

من المهم التنويه إلى أن القطعيات الفقهية في مسائل المرأة لم تحصر بعد، وحصرها يحمي الناس من تشويش المتسوّرين على الكلام في العلم الشرعي ممن لم يتأهلوا لذلك.

 نعم غير المتخصص يجب عليه اتباع العلماء، ومذهبه مذهب مفتيه، وعليه فإنه لا يحتاج إلى معرفة رتبة الحكم من حيث القطع والظن لأن الله تعبّدنا بغالب الظن الذي يترجح في نفس المجتهد كما تعبدنا بالقطع.

لكني أجد أن تصدّر من لم يتأهل من المثقفين للكلام في علوم الشرع فتن بعض الناس ولبّس عليهم دينهم وصار القطعي مجالا للنظر والاجتهاد في تقرير الحكم أصالة لا في تنزيله على واقع المكلفين.  

حصر القطعيات ليس مهما فقط في قضية حماية العوام من التشويش، لكنه يسهم في إعادة صياغة الفكر الجمعي بما يخفف من غلواء التعنت حيال مسائل هي محل اجتهاد مما يعين على تفاعل حي مع ما تفتضيه أحوال الزمان من متغيرات.

في كتابي : ( الثبات والتغير في الحكم الفقهي )  درست مسألة الثابت والمتغير في الحكم الفقهي دراسة أصولية وتناولت مسألة  حق الزوج في تقييد خروج زوجته من المنزل من حيثية التعرّف على الثابت القطعي في هذه المسألة . وكانت النتيجة بالنسبة لي مفاجئة، والطريق إلى اكتشافها كان محمّلا بالمفاجآت أيضا.

القول الشائع في هذه المسألة هو أن حق الزوج في تقييد خروج زوجته من المنزل هو حق خالص له يقتضيه حق القوامة. وقد ظللت لسنوات أظن أن هذا ابتلاء الله للنساء الذي لا نملك الاعتراض عليه ..

كنت أشعر أن هذا الحق يجعل البيت بالنسبة للمرأة كسجن مفاتيحه بيد الزوج وأن الزوجة إن كانت محظوظة حظيت بزوج يكرمها ولا يسجنها وإلا كان الحبس متى شاء هو حق لزوجها يجب عليها أن تطيعه فيه ولا تخالفه.

 وكانت المفاجأة حقا بمعرفتي أن هذا الحق فيه نوع تقييد في منصوص مذهب الحنفية والمالكية لكن المفاجآت بالنسبة لي توالت بعد أن درست كلام  العلماء في المذاهب الأربعة دراسة تحليلية و قرأت كلامهم قراءة تستحضر السياقات الكلية التي صدر منها الفقيه، والمتعلقة بالقواعد الفقهية ، والمصالح المرتبطة بعصره ، ورؤيته المنبثقة عن ثقافته الاجتماعية ، ووجدت أن في كلام بعض  العلماء رؤية تؤسس لقراءة مختلفة عن القراءة السائدة  للنصوص الواردة في المسألة . وقد قادتني هذه  القراءة إلى  نتيجة مختلفة أيضا ، وهي أن الحق في تقييد الخروج من المنزل هو حق مشترك بما  لا يضر مصالح الزوج أو الزوجة . فليس للزوج أن يمنع زوجته من خروج لا يضره، وعليه ألا  يخرج من المنزل أو يهجرها فيه على وصف يضر بها.[5]

ذكرت لكم هذه المسألة كمثال على المسائل التي شاع بين الناس أنها من المسائل المتفق عليها بين العلماء والأمر فيها ليس كذلك.

بل إن مذهب الشافعية رغم تشدده ظاهرا في هذه المسألة -حيث نص علماؤه على أن الزوجة ليس لها أن تخرج من بيت زوجها بغير إذنه إلا لضرورة أو ما قاربها -[6]إلا أننا نجد في أصوله نصا مهما لإمام الحرمين الجويني في كتابه (البرهان) ناقش فيه ما سماه: (مغمضات من قضايا الأصول) كقول الشافعية إن المعاشرة الجسدية هي حق للزوج ولا حق للزوجة فيها إلا على سبيل الندب وقال: (والأمر مبني على أحوال الملتزمين الشريعة، المعظمين لها). [7]

 و السؤال هنا:

أليس في هذا الملمح الذي حدثنا عنه إمام الحرمين الجويني  وهو أن هذه الأحكام مبنية على أحوال الملتزمين الشريعة، المعظمين لها  ما يجعلنا نراجع تلك الأحكام في نور قاعدة (تغير الأحكام بتغير الزمان) ، فحيث تزعزعت الأوضاع الاجتماعية، وعم تراجع الأخلاقيات النبيلة بين الناس، فقد وجب فتح مجال النظر المستضيء بنور النصوص ، والمقاصد الشرعية لتقرير أحكام تلائم واقع الناس بحسب ما يستجد في حياتهم ، وما يطرأ على أخلاقهم وأحوالهم، درءا للمفاسد، وجلبا للمصالح المتصلة بحماية المجتمع المسلم من آفات تهدّم العلاقات ، وانهيارها .

الفقه التراثي وإغاثات التجديد :

وإذا كان سؤال العدالة يحتاج منا إلى تسليم في بعض القطعيات الفقهية، وأقول بعضها لأن فقه الضرورات قد يتغير في ضوئه الحكم الأصلي إذا طرأت عليه مصلحة يصح اعتبارها وهو تغير من حيثية تنزيل الحكم على واقع المكلف لا من حيثية الاقتضاء الأصلي للدليل.

أقول: وإذا كان سؤال العدالة يحتاج منا إلى تسليم في بعض القطعيات الفقهية فإن ما يقابل القطعيات من ثروة فقهية ظنية ينبغي أن يكون مقصدا للدراسة والبحث والموازنة     لا أقول لأجل أن نستنبط أحكاما مستحدثة مع أن ذلك غير ممتنع إذا صدر من المؤهلين ولكن لأجل أن  نروي جدب حياتنا الاجتماعية بفقه جديد من الأقوال التي نص عليها العلماء والمنثورة في كتبهم بمنهجية محكمة يعلم بواسطتها ميزان القول، وسياقاته، وأفقه المقاصدية.

نحن لدينا إشكال حقيقي في مسألة التعامل مع الفقه التراثي بين جامد على منصوصه دون نظر في سياقات ذلك المنصوص وحمولته المقاصدية، وبين مزدر له غير مدرك لعمقه المنهجي والإنساني، وبين مقبل عليه إقبالا يفتقر إلى المنهجية فيخرج لنا بنتائج تصادم قطعيات الشريعة.

 

إن الصواب في التعامل مع الفقه التراثي يحصل بأمرين :

أحدهما :

قراءته قراءة تستحضر النموذج المعرفي الخاص الذي جاء به الإسلام في فقه العلاقات الإنسانية ,

و الثاني:

الالتزام بمناهج أهله التي أخذوها عن سلفهم كابرا عن كابر ، وهذه المناهج فيها من السعة ما يكفل تجديدا للفكر الفقهي بما يلائم عقول أهل هذا الزمان في فهمها الحقوقي ، ونظرتها إلى العدالة .

ثم إننا نجد في كلام بعض العلماء حثا للمفتي على ذكر جميع الأقوال في المسألة للمستفتي ولو كانت هذه الأقوال ضعيفة مذهبيا ليتخير منها المستفتي ما يلائم حاله ما دام لا يترتب على أحدها مفسدة معتبرة  .

وقد وجد هؤلاء العلماء في هذا المسلك في الفتيا رفعا للحرج والمشقة عن الناس.  فقد أمر غير المؤهلين علميا باتباع أهل الذكر ، وما دام القول صدر عمن يصح اجتهاده، وتأكدت نسبته إليه بضوابطه جاز لهم الأخذ به وإن لم يكن قولا معتمدا في  المذاهب الأربعة [8].

 وممن تبنى تخيير المستفتي بين أقوال المجتهدين -وإن لم تكن معتمدة في مذاهبهم التي ينتسبون إليها  ما دام صح نقلها عنهم بضوابطها ولم يترتب على أحدها مفسدة ظاهرة في حق المستفتي- السيد أحمد بن حسن العطاس المتوفى عام 1334ه ـ

ينقل السيد محمد أحمد الشاطري -المتوفى عام 1422هـ- في كتابه ( شرح الياقوت النفيس) عن السيد أحمد بن حسن العطاس أنه كان يفتي المتوفى عنها زوجها من عوام الناس أن إحدادها في ترك النكاح مدة العدة ولا زيادة على ذلك وكان يقول إن تكليف عوام النساء من أهل البادية بما زاد على ذلك مما يشق عليهن، ويجعلهن ينفرن من الدين، ونعلم من حالهن أنهن لن يلتزمن بقول الجمهور لو ذكرناه لهن، فكان يختار الإفتاء بقول الحسن البصري في المسألة جمعا لهن على دين الله ورفقا، ورحمة .

ينقل السيد الشاطري هذه المسألة عن السيد العطاس ولا يقره في اعتماد رأي الحسن البصري لكنه يسلّم للسيد العطاس العلم والفقه [9].

ونجد في فقه الشافعية قولا اختاره بعض علمائه وهو أن  المرأة إذا غاب عنها زوجها، وانقطع خبره، ولم يترك لها نفقة، ولم تستطع إثبات ذلك عند القاضي، فلها أن تستقل بفسخ النكاح وعليها أن تشهد على ذلك [10].

ولست هنا بصدد مناقشة المثال تفصيلا، لأني أجد فيه إشكالات ترتبط بتصوّر الضرر فقهيا، وكذا ترتبط بالسياق القانوني للواقعة، لكني سأناقش مسألة محددة تضمنها ، وهي إعطاؤهم الزوجة حق الاستقلال بالفسخ مع الإشهاد حيث تعذر عليها إثبات الضرر الواقع عليها في خصوص عدم تحصيل نفقتها ، قالوا وينفد الفسخ ظاهرا وباطنا [11].

فقولهم هذا شاهد  على ما يمكن للفقه التراثي الظني أن يقدّمه من إغاثات حيال تعقيدات الحياة الاجتماعية وعلى ما يمكن أن نظفر به من كنوز فقهية تتناثر في كتب المذاهب المعتمدة، وكيف أننا من الممكن أن نقدم بها تجديدا لفقه المرأة يجيب عن كثير من أسئلة العدالة في عصرنا.

وختاما : فإن جواب سؤال العدالة في حقوق الزوجة في الإسلام ليس له صيغة منصوصة إلا في مسائل جزئية محصورة تعبدنا الله بها، وتسليمنا بها هو تبع لإيماننا المجمل بأن ديننا دين حق وعدل، لكننا  بحاجة إلى تحديد هذه المسائل الجزئية القطعية وحصرها، ثم بحاجة إلى دراسة إمكانية التجديد فيها من طريق خطاب الوضع ، أما ماعدا ذلك من مسائل فمجال الاجتهاد فيها أوسع ، ونموذجنا المعرفي الخاص، وتراثنا الفقهي ، وقواعدنا الفقهية ، ومقاصدنا الشرعية ، كل ذلك فيه ما يمكن لنا الاستنارة به ، و استثماره لتقعيد فقه جديد يوائم  أحوال هذا الزمان ، وحضارته .

وأستحضر هنا كلام الإمام الزركشي في البحر المحيط وفيه مزيد بيان وتحرير  لقضية التجديد الفقهي : يقول : " فلا نقول إن الأحكام تتغير بتغير الزمان بل باختلاف الصورة الحادثة .. وكل ذلك فإنما هو استنباط من قواعد الشرع لا أنه خارج عن الأحكام المشروعة . فانظر ذلك فإنه عجيب ."[12] .

                                                                                                       

 

 

 

 



[1] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد ، المستصفى من علم الأصول ،  تقديم وضبط وتعليق : محمد رمضان . د. ط. بيروت :   دار الأرقم، 1414هـ ، 1994م.  مج1/ ص 636

[2] ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية،د. ط . تونس  دار سحنون ، د.ت . ص 76.

[3]  الجويني ، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ، نهاية المطلب في دراية المذهب ، حققه وصنع فهارسه عبد العظيم محمود الديب، ط1 . بيروت وجدة: دار المنهاج، 1428هـ/ 2007م . مج13/ ص 225.

[4] انظر:  القرافي، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري، تنقيح الفصول في اختصار المحصول، حققه و وثقه : محمد عبد الرحمن الشاغول ، القاهرة : المكتبة الأزهرية للتراث ، 2005م . ص 192، 193

[5] انظر:  الجفري ، صفية ، الثبات والتغير في الحكم الفقهي ، ط1 ، بيروت : الشبكة العربية للأبحاث والنشر ، 2014م. ص 179.

[6] الرملي،شمس الدين محمد أبو العباس أحمد بن حمزة بن شهاب، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ،بيروت : دار الكتب العلمية . مج7،ص207.

[7] الجويني ، عبد الملك بن يوسف ، البرهان ، مج1-2، ج2،ص75

[8] عقدت في كتابي : الثبات والتغير في الحكم الفقهي مبحثا يتناول هذه المسألة . وعنوان المبحث : انتفاء القطع ومسؤولية المجتهد والعامي .

[9] الشاطري، محمد بن أحمد، شرح الياقوت النفيس ، ط1، دار الحاوي، 1418هـ، 1997م. ج3/ من ص 117 إلى 120.

[10] أبو بكر، محمد بن عثمان شطا الدمياطي الشافعي، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين ، ط1، بيروت : 1418هـ/ 1997م. ج4/ ص 104، 105.

 

[11] أبو بكر، محمد بن عثمان شطا الدمياطي الشافعي، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين ، ط1، بيروت : 1418هـ/ 1997م. ج4/ ص 104، 105.

[12] الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي، البحر المحيط، قام بتحريره عبد القادر عبد الله العاني، وراجعه عمر سليمان الأشقر، ط2. الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،1413هـ ، 1992م، مج1، ص 166 ،167 .

الخميس، 8 يوليو 2021

تعاطف

 

  •     لا تلم نفسك لأنك لم تستطع أن تدفع ظلما وقع عليك ..من يستحقون اللوم هم من تجردوا من عدالتهم وتعاطفهم وصدقهم .الميزان الذي نزن به أفعالنا هو ميزان قربها من الطيبة والنزاهة والعدالة ..هو ميزان تحققها من تحري الخلق الحسن

  •     خطورة الظلم ليس فقط في الأذى الذي يوقعه الظالم بالمظلوم بل لأنه قد ينجح أحيانا في تشويش بوصلة القيم عند المظلوم،وهز ثقته بنفسه وبقدرته على تنفس هواء الأمان من جديد ،لذلك فإن أدنى ما تستطيعه من نصرة المظلوم هو التعاطف بل هو أدنى النصرة وأعلاها معا. كن متعاطفا.

الأحد، 4 أبريل 2021

السعادة في منتصف العمر

 

في عام 2005م كتبت مقالا بعنوان : " فليتك تحلو والحياة لذيذة" ، وأعادتني إليه بعض التغريدات  في تويتر في اليوم العالمي للسعادة الموافق للعشرين من شهر مارس ..

قرأت المقالة بقلب غير القلب الذي كتبها قلب قد عاش معان جديدة لم يختبرها في تلك الأيام،  وقادته تلك المعاني إلى قراءات جديدة ، بل وإلى فهم جديد  لقراءاته السابقة ، وكان مرور السنوات سببا لما أظنه فهما أعمق لنفسي وللناس والحياة .

تحدثت في   فبراير / 2005 عن كتاب دروثي طومسون : " شجاعة السعادة " ، وأن السعادة جوهرها الرضا والتسامح ، وطفت في آفاق هذين المعنيين في مقالتين أجدني اليوم لا أتفق مع بعض ما ورد فيهما.

حدودنا النفسية :

                ما أظنه -بعد مرور ستة عشر عاما على مقالتي عن السعادة -هو أن جوهر السعادة هو علاقة واعية مع النفس، وعلاقة واعية مع الناس، وعلاقة واعية مع الحياة .

                الوعي بطبيعتنا، واكتشاف حدودنا الخاصة ، ومعاملتها باحترام . وحدودنا الخاصة تشكلها عواطفنا وقيمنا معا، وهي  قد لا تتشابه مع حدود غيرنا، بل قد توصف بالغرابة .

يقول د. محمد طه في كتابه : " الخروج عن النص" أن علينا أن نتعلم  كيف نحمي هذه الحدود النفسية كما نحمي حدود أجسادنا، وحدود أوطاننا، ونذود عنها كل متحرّش، أو فضولي ، أو مقتحم .

                الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين تحدث عن أن الشرع يوجب علينا احترام خصوصيات الآخرين ، وأن إحراج الآخرين بالسؤال عن خصوصياتهم مما يوقع الإنسان في الإثم ، وكتب كلاما نفيسا في بيان حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " .  الأمر إذن أوسع من مجرد تحريم التجسس، وتتبع عثرات الآخرين ،  الأمر يشمل تحريم اقتحام الحدود النفسية التي اختار الآخرون أن تحوط عالمهم الداخلي .

                الطريق إلى هذا الوعي بالحدود النفسية يبدأ من أن نعطي أنفسنا حقها من الرفقة، والخلوة ، فنتحدث إليها ، ونحاول أن نفهم مشاعرها ، ونتأمل تلك المشاعر، ونناقشها بعمق ، لنميز الأصيل منها ، ونتعامل معه بعد ذلك بما يليق به من احترام ، وتقدير .

أنا هنا أتحدث عن المشاعر التي لا تتصل بإرادة شر أو أذى ولا تصم صاحبها بخسة             ولا قلة مروءة بل بتلك المشاعر التي تشكل طباعنا الخاصة التي نتميز بها عن غيرنا كما نتميز بأشكالنا الخارجية ، فحدودنا النفسية هي :  " المظهر الخاص لكرامتنا ".

                تقول مارثيلا سيرانو في رواية :" عشر نساء" : " ...فقيمة البشر هي في قدرتهم على الانفصال، على أن يكونوا مستقلين، أن ينتموا إلى أنفسهم وليس إلى القطيع " .

                كلنا سيأتي الله يوم القيامة فردا، وإن لم نحترم فرديتنا ، فإننا لن نستطيع بناء علاقة عادلة وصحية مع أنفسنا ومع الآخرين .

                سلامنا النفسي يبدأ بوعينا بحدودنا النفسية، وحمايتها ، وإكرامها ، وسيكون ذلك هو الأساس لمشاعر رضا  وصفاء تغمرنا مهما قست ظروفنا .

ثنائية العدل والفضل :

                هكذا يتحدثون عن العدل والفضل ، كأن كل مفهوم منهما مستقل عن الآخر، و ليس الأمر كذلك، بل  إن شيوع الفضل بين الناس أساسه أن يتحققوا بفضيلة العدل، والعدل فضيلة واجبة، إهمال الاحتفاء بها في العلاقات الفردية أدى إلى التقليل من شأنها تقليلا جعل مفهوم الفضل مطية لاستغلال أصحاب النفوس المريضة . فصار من يطالب بحقه ممن ظلمه يوصم بسواد القلب، ومحبة الانتقام ، في خلط لا مروءة فيه ولا إنصاف .

                النفس السوية تأنف من أن تكون محلا للظلم، والهمة الأبية لا ترضى مذلة البغي، والعفو و الغفران إنما يحسنان إذا كانا سبيلا لصلاح العلاقات بوضع الأمور مواضعها لا إلى تكريس الاعتداء والأذى .

                وجوهر السعادة في علاقتنا بالآخرين هو أن يكون مقصدها أن يعم العدل، ويكون الفضل، والتسامح ، والغفران، سبيلا إلى تحقيق هذه الغاية.

 وطريق هذه الغاية لا ينبغي أن يمس الحدود النفسية الخاصة، لأنه حينئذ سيمس جزءا عميقا من كرامتنا  .

                والتسامح لا يلزم منه أن تظل جسورك ممتدة مع من آذاك، وكان فعله السيء ممنهجا    أو أصيلا في الأذى  لا زلة عابرة  ، لأن الاستمرار معه قد يفسد ولا يصلح ، يكفي أن يصفو قلبك فتدرك ضعفه الإنساني وظروفه القاسية التي قادته إلى السوء والشر لكن ذلك لا يجعلك تغفل عن أنه مسؤول عما اقترفه من أذى وأن الخير قد يكون في أن ينال جزاء أفعاله ولو جفوة ممن آذاهم .

رحلة المعنى:

                يحدثنا فيلم (Saul   )  عن أن السعادة ليست أمرا بعيد المنال يرتبط بالأهداف الكبرى التي نسعى إلى تحقيقها ، وأن غفلتنا عن هذا المعنى سيفاجئنا بأننا لن نحصّل إلا الخواء وإن حصلنا تلك الأهداف . السعادة في رؤية الفيلم هي في الاحتفاء بكل المعاني الطيبة، والتفاصيل الجميلة التي تحيط بها، وهذا الاحتفاء سيجعل رحلتنا في هذه الحياة غنية بمشاعر الألفة والمودة والامتنان.

                يتحدث الدكتور محمد طه في كتابه: " علاقات خطرة " عن أن العلاقات الطيبة هي التي تساعدنا على الشفاء من جراح علاقات آذتنا، وأن الأذى الذي تحدثه علاقة تشفيه علاقة. تجاربك الإنسانية القاسية قد يمسح أثر قسوتها علاقة قرابة أو صداقة فيها حب وتقدير وأمان.

وهكذا فإننا إن وفقنا لعلاقات طيبة مع مقربين يحبوننا بصدق، ويقبلوننا دون شروط، ودون أن يحاكمونا أو يحكموا علينا، ويحترمون أحاسيسنا وتقديرنا لحاجاتنا وأولوياتنا، ويكرموننا بوقتهم ودعمهم، ونحن لهم مثل ذلك، فإننا نصبح أقوى في مواجهة صعوبات الحياة، بل إن هذه الصعوبات لن تنال من إحساسنا بنعمة الحياة .

إن وجد هؤلاء الأشخاص في حياتك فاستعن بهم ليساعدوك على مراجعة ما شوهته فيك علاقة آذتك، فهم أولى بثقتك، وهم نعمة عظمى تستحق الشكر لله الكريم اللطيف الخبير.

الوعي بهذه المعاني المتعلقة بعلاقتنا مع أنفسنا ومع الناس ومع الحياة هو أساس لمعاني السعادة، والسكينة، والرضا ، والقرب من الله على بصيرة وهدى .

                                                                               حرر في : 20/ 3/ 2021

 

الخميس، 5 نوفمبر 2020

في فقه السعة (2)

 

لكل عصر روحه الخاصة به ، وروح هذا العصر أن يتحقق المرء بأقصى قدر من الحرية ، أو لأقل إن حاجتنا الإنسانية إلى التحقق بالحرية كقيمة قد تجلت في عصرنا أكثر من العصور السابقة ، ولذلك فإن أي فكر لا يراعي هذه الحقيقة سيصد الناس عنه ..

يقصد الشرع الشريف إلى تحقيق مصالح العباد ، وهذه المصالح تتحقق بأن يكون المسلم في حال من التصالح مع ثقافة عصره .

نحتاج أن نستثمر كمسلمين الثروة الفقهية الواسعة التي تزخر بها مدوناتنا الفقهية في مساعدة المسلم المعاصر على عيش حياة فيها أقصى مساحة من رفع الحرج ليبقى التقييد المرتبط بالقطعيات الأساسية هو علامة انتمائه لهذا الدين وهو الحد الذي يحفظ له الطمأنينة التي هي مقصد التحقق بحريته إذ أن الحرية المطلقة شتات ومفسدة تحرم المرء سكونه النفسي المرتبط بوجود قدر أساسي من القواعد في حياته.

نعم استثمار هذه السعة لابد أن يكون منضبطا علميا عبر خطاب رصين يحترم حق الناس في صياغة الطريقة التي تناسبهم في رحاب دينهم لا خروجا عنه ..

نحن نحصد الآن ثمرة خطاب دعوي غاب عنه العلم الأصيل ، والفقه بواقع الناس وحاجاتهم لصالح وعظ مشوش غير ناضج .

فلنجمع الناس على دين الله ، ولتكن القطعيات الحصن الحصين ، والربط بمعنى التعبد هو الأساس لخطاب دعوي منهجي لا يصدّر الحِكَم الظنية ويقيمها مقام العلل التي يدور معها الحُكْم وجودا وعدما في خلط ظاهر بين الأحكام التعبدية والأحكام معقولة المعنى.

الإسلام دين يحترم المنهجية العلمية ، ويحترم حاجات الإنسان ، والرحمة هي جوهر تشريعاته ..

والخطاب الدعوي يحتاج لعلماء وطلبة علم متمكنين لديهم رؤية مقاصدية حكيمة واطلاع على واقع الناس وثقافة العصر مع تواضع وحسن خلق وضبط للنفس وسماحة فإن كنت عاميا أو طالب علم مبتدئا أو اقتصر طلبك على الحفظ والفهم القريب لا المتعمق وإن كنت بعيدا عن واقع الناس وثقافة العصر وإن لم يكن خلقك السماحة فلا تتصدر للدعوة ولا تفسد على الناس دينهم .

                                                                                حرر في : 3/11/ 2020م

 

الاثنين، 19 أكتوبر 2020

في فقه السعة

 


القطع هوأصل ( الحكاية) :

          الإسلام دين منضبط بمبادىء أخلاقية كلية ، وتشريعات قطعية ، تمثل رؤية المسلم التي تحكم تعاملاته مع نفسه والناس والمخلوقات .

          وهذه القطعيات الفقهية حلالا وحراما مما اتفق أهل العلم على حكمها بحيث إن المسلم يجب عليه الالتزام بها إن تحققت شروطها ، وانتفت موانعها ، ولم يعرض عارض من ضرورة أو حاجة تقوم مقامها .

          والحكم الفقهي القطعي هو ما دل عليه الدليل الثابت من حيث المصدر، وكانت دلالته غير محتملة احتمالا معتبرا .

          والأحكام الفقهية القطعية غالبا معلومة مشهورة  كوجوب العدل، وحرمة الظلم .

وفهم فكرة القطع هو أساس فهم أن الإسلام دين منهجه قائم على السعة التي  لا ترتبك أمام تجدد الحضارة الإنسانية، ولا تفاجئها تقلبات الحياة ، بل تستوعبها بما يرفع الحرج ، ويحقق التوازن بين قيم الإنسان وحاجته بل وضعفه وانكساراته .

          وبالتالي لا يصح أن نقول عن مسألة ما إنها قطعية إذا كانت دلالة الدليل تحتمل معان متعددة يصح الاعتداد بها .

 ولا يصح أن نقول عن مسألة إنها قطعية مع تعارض الأدلة بحيث يختلف اجتهاد العلماء في الترجيح بينها كأن يرى عالم إن النص يخالف قاعدة قطعية مستفادة من استقراء جملة النصوص الشرعية ويخالفه عالم آخر في فهمه هذا ويرى العمل بالنص الجزئي.

           إن الحكم بالقطع هو حكم من حيث ما يدل عليه الدليل أصالة  لكن يخرج الحكم من  القطع إلى الاحتمال والظن إذا عرض عارض يصح اعتباره عند تنزيل المسألة على الواقع .

 

 

 

 

إشكال القطع والظن وأثره على فقه السعة:

 

الإشكال الذي يقع فيه بعض طلبة العلم هو أنهم يجعلون الحكم الفقهي الظني الذي دل عليه دليل محتمل من حيث السند والدلالة في منزلة الحكم الفقهي القطعي. والذي يوقعهم في هذا الإشكال هو جعلهم غلبة الظن في منزلة القطع ، وعدم تفريقهم بين القطع الخاص الذي يقع في نفس الباحث من ترجح فهم ما في المسألة وبين القطع المتصل بكون المسألة  قطعية أصالة . وتوهمهم أن  اعتراضات العلماء على بعضهم في المسائل الظنية يخرج المسألة من الظن إلى القطع .

          والخروج من هذا الإشكال يحصل بتحرير فهم مسألة القطع تحريرا ينزل الأحكام الفقهية  منزلتها وأن لا يتأثر الباحث بغلبة الظن الناتجة عن طول النظر والتي تجعله يخلط بين التأصيل والتنزيل ، وبين القطع الأصلي والقطع بالرجحان.

          ويترتب على هذا الإشكال خطأ منهجي يضيّق مساحات الظن ، ويهمل أقوالا فقهية قد تدعو حاجة الناس إلى العمل بها ، بل ويشوّش على الرؤية الكلية للدين المرتبطة بالمرونة والسعة في المسائل التي يتم نقلها خطأ من الظن إلى القطع .

 

مدار قبول القول الفقهي :

 

          لقد أمرنا القرآن الكريم بسؤال أهل الذكر وهم أهل العلم المؤهلين الذين امتلكوا أدوات الفهم والاستنباط ، فمدار قبول القول الفقهي في المسائل الظنية المختلف فيها هو أن يكون القائل به من أهل الاجتهاد فقد أمرنا القرآن بسؤال من كان مؤهلا  ولم يقيد ذلك . وقد كان الصحابة يستفتون العلماء دون تحر لمسألة المفاضلة بينهم . أما من يعترضون بخفاء الأدلة على بعض العلماء فهذا اعتراض يرده ثراء الحركة العلمية وشيوع المراجعات بين العلماء منذ عهد الصحابة الكرام  - رضوان الله عليهم – إلى عصر استقرار المدارس الفقهية.

هل اختار الأسهل ؟  

كيف نتعامل مع اختلاف أقوال العلماء في المسائل الفقهية ؟ وهل اختيار الأسهل بالنسبة لي من هذه الأقوال هو اتباع لهوى النفس المذموم ؟ . وللجواب عن هذا السؤال – كما ترجح عندي- فلنعد إلى ( أصل الحكاية ) ، أليست هذه المسائل ظنية وليست قطعية ، وأليس القائلون بها من أهل الاجتهاد؟   وأليست أقوالهم كلها في منزلة واحدة من حيث انتفاء القطع بصحتها؟

وهنا كلام  للإمام القرافي المالكي في نفائس الأصول يساعدنا على مزيد فهم : قال : وقد نزل الله ظنون المجتهدين – وكلها طرق إلى الله وأسباب السعادة الأبدية – منزلة أحوال المكلفين من الاضطرار والاختيار ، فيكون الفعل الواحد حراما حلالا بالنسبة إلى شخصين ، كما تكون الميتة حراما حلالا بالنسبة إلى شخصين : المختار والمضطر.  اهـ.

فأقوال المجتهدين كلها طرق إلى الله وأسباب للسعادة الأبدية ، فهواك هنا هوى لما يوصلك إلى الله ، ولما يكون سببا إلى سعادتك الأبدية ، وكيف يكون اختيار الأسهل إثما ، وأنت تختار بين طرق توصلك إلى الله ؟

فإذا استشعر القلب أن القول الأشد أقرب إلى الشرع  قال بعض العلماء يأخذ بما يميل إليه قلبه . وقال الإمام ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير: وعندي أنه لو أخذ بقول الذي     لا يميل إليه قلبه جاز لأن ميله وعدمه سواء ، والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ .  اهـ.

وذهب الإمام ابن الهمام أيضا إلى جواز أن يأخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد يكون قوله أخف عليه: قال في التحرير : وأنا لا أدري ما يمنع هذا من العقل والسمع ، وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوّغ له الاجتهاد ما علمت من الشرع ذمه عليه .وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف على أمته . اهـ.

 

في حمى المذهبية :

          الكلام عن التيسير والأخذ بالأخف من الأقوال لا يتعارض  مع القول بالتمذهب وهو أن يتبع الإنسان في الأصل مذهبا فقهيا معينا لأن من أجازوا الأخذ بما يراه الإنسان سهلا عليه من أقوال العلماء اشترطوا لذلك  أن لا يأخذ بقول أكثر من عالم في مسائل يتصل بعضها ببعض بحيث تكون النتيجة تعود على أصل المسألة بالبطلان .

          والتزام المسلم بمذهب معين في المسائل المركبة يجنبه الوقوع في التعارض وهو       ما سماه العلماء بالتلفيق. ولا بأس أن ينتقل من مذهب إلى مذهب مادام ضابطا للمسائل التي ينتقل فيها.  

          جاء في حاشية إعانة الطالبين من كتب الشافعية: " قال ابن الجمّال: اعلم أن الأصح من كلام المتأخرين كالشيخ ابن حجر وغيره أنه يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب من المذاهب المدوّنة ولو بمجرد التشهي سواء انتقل دواما أو في بعض الحادثة وإن أفتى أو حكم وعمل بخلافه ما لم يلزم منه التلفيق ." .

المذهبية حفظت لنا العلم بصورة منضبطة ومقننة عبر حركة علمية حية وثرية ومتقدة بالنقاش الحر ولذلك  نجد في المذهب الواحد أقوالا متعددة نعلم قيودها وضوابطها وسياقاتها بما يجعل الاستفادة منها حاصلة على أسس قوية واضحة .

ولذلك فإن الأخذ بقول ما يكون في إطار منهجي غير مضطرب ما دمنا درسنا قواعد المنهج ، وعرفنا ترجمة علمائه وأهليتهم للنظر والاجتهاد.

بل تعبدا وطاعة :

       الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس، ورفع الحرج عنهم، والاستجابة لضروراتهم الإنسانية، فما جاءت الشريعة بإيجابه أو تحريمه قطعا، بحيث حصل إجماع العلماء على أن هذه المسائل هي محكمات الشريعة ، فنحن نعلم أن المصلحة متحققة بها علمناها أو جهلناها ويبقى تنزيل هذه المحكمات على واقع الناس محل نظر واجتهاد في تحقق شروط تلك الأحكام ،وانتفاء موانعها، وعدم وجود ضرورة أو حاجة تنزل منزلة الضرورة تدعو إلى اعتبارها.

    أما عدا المحكمات القطعية فالخلاف فيها معتد به إذا صدر الاجتهاد ممن هم أهل له، وكلها طرق إلى الله وأسباب للسعادة الأبدية كما نقلت عن الإمام القرافي .

    وهذا الفهم المحرّر لقضية القطع والظن وصلتها بحياة المسلم ، هي السبيل لأن تكون علاقة المسلم مع نفسه علاقة متوازنة، لا حرج فيها ، وهو في ذلك يعبد الله على بصيرة ،ويعبد الله وقلبه منشرح بخياراته الواسعة في هذه الحياة، وهو متصالح مع نفسه ومع الحياة لا في حالة صراع وكمد مع استحضاره أنه إنما يختار مما شرع الله له أن يختار منه من أقوال أهل الذكر الذي أمره الله بسؤالهم ، فهو يختار من الحلال الطيب الذي أحله الله له ، ويختار منه ما يجعله يقبل على حياته وهو في سعة وسلام ، وهل الدين إلا رحمة ويسر وسعة؟ وهل شرع حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات إلا لأجل رفع الحرج وتحقيق مصالح العباد لا التضييق عليهم وإعناتهم .

                                                                 حرر في : 19/10/2020