الأحد، 5 مايو 2024

الأمومة رحلتنا غير النمطية *

 


 

خلافا لبعض الصديقات لم تكن الأمومة حلما لي يوما؛ إذ كنت أفكر في ثقل المسؤولية المرتبطة بالأمومة فيصدّني ذلك عن الإنصات إلى أحاسيسي الداخلية. وفي لحظة تنوير، توكّلت على الله، وقررت أن أنفتح على تجربة الأمومة، وكنت أدعو الله أن يهبني بنتا؛ لأني تصوّرت صعوبة أن أكون أمّا لكائن لم أمر بتجربة شعورية تشبه تجربته من حيث طبيعة الجسد، والثقافة. واستجاب الله دعائي ورزقني آمنة.

ولدت آمنة، واستقبلها أبوها مبتهجا، واحتضنتها أمي ، ثم قالت لي : تريدين احتضانها، فقلت لها إني متعبة من الولادة، المهم أنها بخير- لم أكن أعلم حينها أن الخروج من ضيق الرحم إلى عالم مختلف، قد يجعل الطفل بحاجة إلى حضن أمه-، كنت أشعر أن مسؤوليتي الحالية هي ولادتها، وقد أنجزت ذلك ، وهذا كاف ، وهي في أيد أمينة.

 

إنسانيتي لا أمومتي

كنت أريد وقتا مستقطعا بعيدا عنها قبل أن تصبح رفقتنا لا مناص منها. ولأشهر خمسة لم يكن إحساسي الغالب حيالها سوى إحساس المسؤولية عن كائن كنت من تسبب في وجوده في هذا العالم . قلت لصديقة لي -وهي أم حنون-: الشعور الغالب عليّ حيال آمنة هو شعور المسؤولية الإنسانية والدينية، حتى حنوّي عليها هو حنوّ ينبثق من إنسانيتي لا من أمومتي؛ إذ لم أميّز مشاعر الأمومة بعد، لا أعرف كيف هي. كنت أشعر أن رحمتي لها ، هي رحمة عامّة كما سأرحم أي طفل ، لم أكن أشعر برحمة الأمومة الخاصّة- التي أكرمني الله بها بعد الشهر الخامس تقريبا- . قالت لي: هذا غريب جدا ، كيف لا تحسين بمشاعر الأمومة؟

 

نسختي الخاصة من الأمومة

لم أخبر أحدا بعد ذلك عن مشاعري، كنت أشعر بالذنب، والخزي معا، وأقول لنفسي: لم تكتمل الأمومة لديك بعد، لكنك تفعلين ما بوسعك للاهتمام بطفلتك الصغيرة.

ثم أغاثتني ذاكرتي بما قرأته للإمام العز بن عبد السلام من أن الله يثيب الوالدين على مشاعر الرحمة، و التلهف على الطفل ، وعلى الإحسان إليه[1]. ولكأن ما أكرم الله به الأم من ثواب على واجب الرعاية فيه مراعاة لحال من لا تجد في قلبها إحساس الأمومة الخاص، فلعلّ الوعد بالثواب هو رسالة ربّانية لاستشعار القرب من الله ونحن نرعى صغارنا، فيعيننا ذلك على غربة مشاعرنا.

وبعد عشر سنوات من ولادة آمنة ، وفي ورشة عن رحلة الأمومة ( سبتمبر/ 2023م) ، عرفت أمهات خضن تجربة شعورية قريبة من تجربتي. كنت قد وصلت لاستنتاج ألهمتني إياه تجربتي، أن الأمومة تجربة ذاتية من حيث إن لكل أم طريقتها التربوية الخاصّة، وليس لأحد أن يحاكم أمّا على طريقتها في التربية، لكن لم أتوقّع أن  ذاتية التجربة تمتد إلى المشاعر، وأن مشاعري ليست نشازا ، وأن التجربة الشعورية للأمهات مختلفة، لقد ربتت هذه المعلومة على روحي، وداوت شعورا خفيا بالاغتراب.

أشباح الأمومة

            تأخرت أعواما قبل أن أقرأ كتاب إيمان مرسال : " كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها "، لقد أخافني حديث قرّاء الكتاب عن عدم نمطيته من حيث إنه يلقي الضوء على الجوانب المظلمة المتعلقة بالأمومة، كنت أريد أن أقرأ نصوصا يلتئم بها إحساسي بالاغتراب، كنت عقلا مؤمنة برسالتي كأم، لكني في أعماقي أشعر أن الأمومة تبتلعني، وأني أود الهرب ليس خوفا من المسؤولية فحسب، لكن رفضا لإحساس أني محاصرة في دور الأم، كنت أستيقظ يوميا مثقلة بهذا الشعور الذي أبوح به الآن لأول مرة ، فلمّا قرأت عن كتاب إيمان مرسال عزمت على عدم قراءته، ولم أفعل إلا بعد وقتٍ من تصالحي مع مشاعري كأم .

            قرأت العام الماضي كتاب إيمان مرسال ، فوجدت تجربة ذاتية جديرة بالتوثيق؛ لأنها تسهم في تغيير الصورة النمطية عن الأمومة، وهذا التغيير مهم لتواصل منصف ورحيم مع الأمهات. هل كان خوفي من قراءة الكتاب أيامها في محله ؟ أظن ذلك. لكن ربما الأمر لا يكون كذلك مع غيري ، فالتفاعل مع النصوص ذاتي هو الآخر.

            ثم وجدت نصّا يقارب تجربتي الشعورية لكنه أشد وطأة، ولكأن النصوص تزورنا في الوقت الذي نكون فيه مستعدّين لاستقبالها ، النص من رواية :"رغبة قوية للعيش": " قالت: أخيرا رزقت بولد، الأمنية التي طالما راودتني، ومع ذلك كنت أشعر بالحزن. عندما تعرّفنا أنا وماركو إلى بعض كنّا نقوم بالعمل نفسه، ونتمتّع بالمكانة ذاتها. ثم بدأ مشواري مع الحمل ، ووجدت نفسي خارج الملعب. كنت أظن أنني سأكون سعيدة حين أصبح أمّا، وأن البقاء في البيت مع طفلي سيكون شيئا جميلا. ولكن تبيّن أن الأمر لم يكن على هذا النحو. سعدت بالوقت الذي قضيته معه، ولكن في نهاية الأمر أصبحت عصبية. في تلك الفترة كنت أشعر بأني لم أعد موجودة. تعاستي جعلتني أشعر بالذنب، لم أعد أعرف ما الذي يجري داخل رأسي . كنت أعتبر نفسي أمّا متشائمة. فقدت الإحساس بما حولي، وهذا كان يزيد تعاستي. كنت أنوء تحت ثقل الشعور بالذنب وعدم الإحساس بالأمان."[2].

أم وأكثر

            الصورة النمطية للأم ، تجعلها ممتلئة بدور الأمومة، دون اعتراف بنسبية هذا الامتلاء. وهذه الصورة متصلة أصالة بطبيعة الحياة الاجتماعية قديما، والتي تلازم المرأة فيها المنزل غالبا. ما يغيب عن هذه الصورة أن حياة المرأة كانت مزدحمة بأعباء التربية، مع العمل في المنزل، مع علاقات وثيقة مع الجارات والأرحام، وكل ذلك في سياق يحاصر حظ المرأة في سعة التعلم، وتنوع المشاركة العملية المجتمعية.

لقد كانت الأم قديما تمارس أدوارا أخرى ترافق دورها كأم، فهي الزوجة، والجارة، والقريبة ضمن الأسرة الممتدة، وهذه الأدوار تساعد الأم على التوازن وفقا للسياق الاجتماعي آنذاك .

            إذن لم تكن الأمومة هي الدور الوحيد، وكانت ممارسة المرأة لبقية الأدوار- في ذلك السياق- تساعدها على أن تؤدي دورها كأم دون إحساس بأنها محاصرة في دور واحد.

            وفي عصرنا الحالي ، ومع تمكين المرأة من بقية حقوقها الإنسانية والشرعية، اتسعت حاجاتها النفسية تبعا للسياق الحضاري الجديد، ومن ذلك حاجتها للارتقاء العلمي والثقافي والمهني في بيئة تدعم أمومتها.

فالحديث عن أن دور الأم يغني عن بقية الأدوار هو حديث يغفل عن واقع الإنسان، وطبيعته النفسية، وأنه كائن متعدد الأدوار اجتماعيا، وأن هذه الأدوار تتنوع باختلاف السياق الحضاري.

            يقول بعضهم :التربية هي واجب الأم شرعا؛ لذلك فلا بد لها من الاستغناء بالأمومة عن أي دور آخر. وقولهم هذا  لا يُسلّم لهم؛ لأن ذلك لا يلزم منه تغييبها عن بقية الأدوار ، فضلا عن كون التربية عند الشافعية فرض كفاية على الأبوين معا[3]، فهي مسؤوليتهما المشتركة.

            احترام الحاجات النفسية للأم، ومساعدتها على تلبيتها،  يرفد أمومتها، وينضج علاقتها بنفسها وبطفلها، فهو عامل ثراء لا نقصان.

            ليس من عملي في هذا المقال مناقشة صعوبات تعدد الأدوار بالنسبة للأم في الجانب المهني تحديدا، وأن عمل المرأة يكون عامل استقرار إن وُفّرت لها تنظيميا أسباب الموازنة بين واجبات الأمومة  -لا سيما في السنوات السبع الأولى- وبين تطورها المهني. لكن لا بد من التنويه، على أن غياب التشريعات والإجراءات التنظيمية التي تساعد المرأة على الموازنة بين دورها كأم وبين حقها في العمل خارج المنزل، لا يحجب حقها في أن توازن أولوياتها بما لا يضيّعها نفسيّا أو ماديّا، سواء كانت زوجة أو مطلّقة أو أرملة.

أطفالنا ليسوا روبوتات

            اضطرت صديقة لي إلى أن تقلل وقت زيارتها لأهلها لسنوات إلى الحد الأدنى حماية لأحد طفليها من مقارنته الدائمة بأخيه الذي حباه الله بطبع هادئ واهتمامات رائقة. واضطرت أخرى إلى أن تصطدم ببعض أهلها لتوقف انتقاداتهم لطريقتها في تربية طفلها؛ لأنها لا توافق رؤيتهم.

            تدرك الأم الواعية أن التربية ليس لها نموذج إرشادي تفصيلي موحّد، وأن أسلوبها التربوي ينبغي أن يتنوع بحسب طبيعة طفلها نفسية ومزاجا وإدراكا، لكن بعض الإشكال هو أنها تصطدم غالبا بانتقادات خارجية تحاكم تربيتها لنمط تربوي جامد، وهذا يتطلب منها شجاعة، وحكمة، ووضوحًا تامّا في الرؤية يعطي الأولوية لحق طفلها في أن يُعامل بما يلائم طبيعته.

 

رحلتنا التربوية كأمهات – وكآباء أيضا- هي رحلة خاصة، وأول ما يفسدها إملاءات ذاكرتنا التربوية النمطية، ثم الإملاءات الخارجية، وحمايتنا من أن نقع في فخ النمط التربوي الجامد تكون بالمراجعة المستمرة لقيمنا التربوية، والتثقيف المتجدد، وخلق بيئة صحية لمداولة خبراتنا التربوية ولو كانت هذه البيئة تتمثل في إنسان واحد.

شغف معرفي

            جادلتني ابنتي مرة في قرار ما، كانت مجادلتها بارعة استفزت في داخلي خوفي من عدم الإنصاف، لكن أنقذتني فكرة أن التربية هي عملية اجتهادية، وأني ما دمت مقتنعة بترجيحي         فلا بد لها أن تحترم قناعتي هذه. شرحت لابنتي هذه القاعدة، وكسبت بمناقشتها لذة معرفية، وإضافة منهجية مهمة لطريقة تفكير ابنتي.

لم يقل لي أحد من قبل إن تجربة التربية ستغذّي بين حين وحين شغفي المعرفي. مساحات التفكير في اتخاذ القرارات التربوية هي مساحات واسعة ومتجددة، تتطلب من الأم        – والأب – ملاحظة دائمة لشخصية الطفل، ونفسيته، وطريقة تفكيره، وتفاعله مع محيطه الإنساني والمادي، ثم محاولة أن تقترب من أفضل طريقة للتعامل مع الطفل لمساعدته على النمو الآمن نفسيا.

تغذية الشغف المعرفي لا يتصل فحسب بحاجة الأم إلى القراءة والاستشارة، لكن تمتد إلى عملية التفكير نفسها، والترجيح بين الطرق المتعددة للوصول لأقرب وسيلة تلائم مبتغاها.

الصورة النمطية عن الأمومة تغيب عنها أن التربية تحتاج إلى رشد عقلي ونفسي، وأن هذا الرشد يجدد عقل الأم وقلبها أيضا.

مساحة ضرورية للخطأ

            روّجت الدراما العربية لسنوات لصورة نمطية للأم الجيدة بأنها الأم التي لا تخطئ، إشكالية هذه الصورة رغم أننا تجاوزناها فكريا في أن كثيرا منّا لا زال حبيسا لها ثقافيا، وأنا منهم.

            أعلم عقلا أن الخطأ التربوي هو عامل ثراء لشخصية الطفل؛ لأنه يحميه من وهم أن الخطأ يصم صاحبه بما يتصل بذلك من اضطرابات روحية ونفسية؛ ولأنه فرصة لتعلّم الطفل مهارات جديدة تتعلق بضبط النفس، والتعامل مع المواقف الصعبة؛ ولأنه فرصة مهمة لتواصل عميق مع الطفل ، يتعلم معه الطفل عمليا فضيلة أن يعتذر المخطئ مهما بلغت منزلته، وينشأ في ظلاله تقارب نفسي بينه وبين والديه عندما يشهد محاولاتهما للإصلاح، وفوق ذلك كلّه فإن الدماغ عضو مرن، تمحو الحسنة عنده السيئة إن ثبت المربي على أن يكون غالب تصرّفه مع طفله "جيدا"[4]. ورغم كل ذلك، لا زلت أتحرّج لو أخطأت في حق طفلتي أمام الآخرين، فضلا عن حرجي إن أخطأت طفلتي في تصرّف رغم إدراكي أنها في طور التعلم والتربية وليس من حق أحد محاكمتي أو وصمها.

            تحررت الدراما العربية من تقديم الأم في صورة مثالية ساذجة، وركّزت على التفاعل الناضج بين الأم وأبنائها، نجد ذلك في "البحث عن علا"،  وفي: " بينّا ميعاد" ، وفي :" كامل العدد"، وفي :" ليه لأ" الموسم الأول. وأظن أن أعمالا كهذه ستساعد على بناء ثقافة جديدة تحترم مساحات الخطأ في العلاقة الوالدية.

 

            رحلة الأمومة رحلة ذاتية من جهة، وتفاعلية من جهة ليس فقط مع الأبناء لكن مع الزوج والعائلة ، وهذه الرحلة يظلمها التنميط، بل إن ازدهارها في اختلافها واحترام رحابتها.

                                                                                   

*نشرت المقالة في منصة المنور الثقافية / رمضان 1445هـ الموافق 14 مارس 2024م                                                                                

 


 

 

 

 

           

           

 

 

 



[1] قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، العز بن عبد السلام، تحقيق : د. نزيه كمال حمّاد و د. عثمان جمعة ضميرية، الطبعة الثانية، دار القلم ، دمشق 2007م. مج1/ ص37.

 

[2] رغبة قويّة في العيش، فابيو فولو، ترجمة: نزار آغري، نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق ، 2021م.

[3] حاشية إعانة الطالبين على فتح المعين، السيد البكري، دار الفكر، بيروت 1993م.  مج1/ ص 33.

[4] تربية خالية من الدراما، د. دانيال جي. سيجيل ود. تينا باين بريسون، ترجمة مكتبة جرير، السعودية 2023م. 

 

عن مذكرات تشاندلر ( أصدقاء وعشّاق والشيء الرهيب)

 

يقول مؤلف الكتاب ماثيو بيري ( تشاندلر)  أنه عندما يموت يريد أن يكون مسلسل فريندز هو في أسفل إنجازاته ، ويبدو أنه نجح في تحقيق ذلك وفقا لما حكى عنه من مساعدته المعنوية والمادية لمدمنين كثر على التعافي، وهذا الكتاب هو إنجاز آخر لكن بابه عندي هو " فريندز".

لم يكن عنوان الكتاب ليشدني إلى قراءته لولا أن مؤلفه هو " تشاندلر" إحدى الشخصيات الرئيسية في مسلسل " فريندز"، هذا المسلسل الذكي  في معالجة أطياف من ارتباكات النفس والعلاقات، قلت لنفسي : لا بد أن يكون لديه شيئا ذكيّا ليقوله، وقد كان .

الكتاب هو سيرة نفسية، يحدثنا فيها المؤلف عن البواعث النفسية لمواقفه، حديث إنسان مثقف نفسيّا وبصير معا. لقد كشف لنا تشاندلر جروحه النفسية الداخلية وأثرها على تصرّفاته. لم يكن ماثيو بيري يكشف عن ضعفه أمام الآخرين إلا عندما يكون مضطرّا اضطرارا قاسيا، وما فعله في الكتاب هو شجاعة.

أكثر ثلاث أفكار وقفت عندها في الكتاب هي:

الفكرة الأولى:

 يجب أن نكون كآباء يقظين لما يمكن أن يؤذي أطفالنا نفسيا، وذلك بالتنبّه إلى أن لكل طفل نفسيته الخاصّة، وأن التعامل مع الخصوصية النفسية لكل طفل بوعي واحترام وحب        لا ينبغي أن نهمله أبدا. الوالدية رحلة يقظة ومحاولة مستمرة لنعطي أطفالنا حقهم في تربية جيدة، ومما يساعد على ذلك أن نؤسس لعلاقة مع أطفالنا مبناها خمسة أركان: الحب، والاحترام، والمساندة، والرفقة ، والحوار. الحوار الذي يعلّمنا عن أطفالنا ما قد يغيب عنّا. وهذا كله يحتاج يقظة وحضور واهتمام متجدد.

من أكثر المواقف التي آذت ماثيو بيري في طفولته أنه تُرك ليسافر وحده في الطائرة في سن الخامسة، لقد ظل الشعور بعدم الأمان، وأنه ليس مهمّا بما يكفي ، يرافقه طيلة حياته، وكان هذا الموقف كثقب أسود في روحه يبتلع أي إحساس بالتوازن. لقد هيّأ له والداه سفرا مريحا، ولم يتعرّض لأي موقف مؤذ في المطار أو الطائرة لكن أحدا لم يتنبه إلى أنه خائف، وهو لم يتعوّد على أن يحكي عن مشاعره، وظل هذا الموقف يمثل جوعه إلى الشعور بالأمان والاهتمام عمره كله. في آخر الكتاب يؤكد تشاندلر على أنه لا يلوم والديه وأنهما بذلا وسعهما في رعايته بحسب ظروفهما. ليس الكتاب رسالة لوم وإنما هو رسالة توعية .

 

الفكرة الثانية :

            عبر قصص الحب الكثيرة التي خاضها، وفشل هذه القصص؛ لأنه اختار أن ينهيها- ما عدا قصة واحدة كان لها سياقها الخاص- يوصل لنا ماثيو بيري أن كثيرا ممن يُظهرون لنا الصلابة، وعدم الاكتراث للمشاعر الحقيقية، وعدم الحرص على تواصل صحّي ومثمر، قد يكون بداخلهم ألم عميق، وعدم شعور بالأمان ، وجرح غير مندمل.

 

 

لقد جمعت ماثيو بيري قصة حب مميزة بجوليا روبرتس، وتحدّث ماثيو عن ذكاء جوليا وثقافتها وجمالها الداخلي وطريقة حبها له التي أسرته ، لكنه مع ذلك أنهى علاقته بها وبدون أن يذكر لها سبب قراره . يقول ماثيو: " مواعدة جوليا روبرتس كانت تضغطني، كنت متأكدا دوما أنها ستنفصل عني، ولماذا لا تفعل ذلك؟ لم أكن كافيا لها، لا يمكنني أن أصبح كافيا لها، كنت مجروحا، وضعيفا، وغير محبوب.(هذه صورته عن نفسه رغم نجاحه الباهر) . لذا بدلا من مواجهة قدري الأليم معها بأنني سأخسرها، انفصلت عن الجميلة والرائعة جوليا روبرتس. ربما فكرت أنها ستشعر بوضع أقل من وضعها ، مع نجم تلفزيون ( يقصد نفسه). لكن نجم التلفزيون هذا انفصل عنها الآن. لا أستطيع أن أصف ملامح الحيرة التي اعتلت وجهها" .

يحكي لنا ماثيو أنه في كل علاقة ممتازة يكون خائفا من أن الطرف الآخر لو تعرّف عليه بشكل أقرب فإنه سيكتشف أنه هش وضعيف من الداخل؛ ولذلك كان يبادر إلى هجر من يحبهم لأن في داخله يقين أنهم سيفعلون ذلك إن لم يسبقهم إليه.

            لقد عاش ماثيو إلى الثانية والخمسين من عمره وهو وحيد، وقد كان حلمه أن يتزوج ويكون له أطفال، لكن خوفه من الهجر حال بينه وبين ذلك. 

            وفقا لكتاب :" متعلّق" فماثيو نموذج للشخصية التجنبيّة، وهذه الشخصية تفزعها الحميمية. تألمت أن ماثيو بيري لم يستطع رغم وعيه النفسي أن ينجح في تجاوز شعوره الداخلي بعدم الكفاية وعدم الأمان وربما يكون إدمانه للخمر ( وهو الذي سمّاه الشيء الرهيب)  رغم محاولاته المستمرة للتعافي، هو السبب الذي حال بينه وبين النجاة.

الفكرة الثالثة:

            حديث ماثيو بيري عن أن الإدمان مرض صبور ، هكذا وصفه بأنه :" صبور" ، وهذا الوصف استوقفني ، ووجدت أن أي عادة غير محبّبة يُبتلى بها أحدنا ستكون كذلك ، وأن الموفق من غلب صبره صبر إدمانه أيّا كان الأمر الذي ابتلي بإدمانه.

 

            مات ماثيو بيري في أكتوبر 2023م بعد عامين من تأليف كتابه، وأزعم أنه قدّم للقارىء مادّة تضيف لوعيه النفسي ولإنسانيته، وتؤكد على فكرة مهمة تغيب عن كثيرين وهي غباء القسوة ، وأن الرحماء هم الحكماء.

            الكتاب نشرته دار لغة، وهي دار مصرية، في أكتوبر 2023م،  و قامت بترجمته: مريم عاشور.

 

عن كتاب ( ذهب وزجاج)

 

 

يتحدثون عادة عن حبسة الكتابة لكنهم لا يذكرون إلا قليلا إغلاق القراءة، وهذا الإغلاق له أحواله التي يكون منها حاجة النفس إلى قراءة كتاب يجمع بين البراعة والخفة معا.

وقد تحايلت على إغلاق القراءة هذه المرة بقراءة كتاب: ذهب وزجاج  لعزت القمحاوي فوجدت فيه مع البراعة والخفّة،الحس الإنساني الذي تسكنه الأصالة والطيبة، واللقطات التي فيها فكر ناقد .

نعيد تعريف الأشياء ( الوحدة)

 

لم يكن صباحا حزينا، فقد استيقظت بروح متحمسة للصلاة وللكتابة ولحضن ابنتي؛ لكني بعد الفطور شعرت بشوق إلى صداقات أحبها لكنها بعيدة، لا نجد وقتا للقيا، أو لديها في حياتها اهتمامات تجعلها لا  تتذكر.

حزنت، وتغشّاني شعور الوحدة، لكني تعلّمت ألا أستسلم لمشاعري، وإنما أتفاهم معها، وأحرر معها المعاني، لقد تعلّمت بثمن صعب أمرين : أحدهما أن أصدّق أحاسيسي، ولا أنكرها، ولا أتجاهلها، والثاني: أن التعامل مع أحاسيسنا يشبه التعامل مع أطفالنا، نحترم مشاعرهم وننصت لها، ثم نساعدهم على رؤية مختلفة للأمور؛ هنا سيأتلف الإحساس مع العقل، ولن نخلق لهم معاناة جديدة.

            تذكرت هذا النص من كتاب: ( ربما عليك أن تكلّم أحدا) : (أخبرتني ريتا كيف أنها تنفق الكثير على العناية بأظافر قدميها ليس لأنه يهمّها أن تطلو أظافرها "من يراهم على كل حال" لكن لأن اللمسة البشريّة الوحيدة التي تحصل عليها هي من امرأة اسمها كوني. تعتني كوني بأظافرها منذ سنوات ولا تنطق بكلمة واحدة بالإنكليزية. لكن جلسة تدليك القدمين التي تقوم بها، بحسب ريتا، " هي الجنّة بحد ذاتها" ) .

            ريتا كانت تحتاج إلى مساعدة، لقد كانت في حالة عجز عن التواصل ، وانغلاق نفسي إلى الحد الذي يجعلها تشتري أنس " طلاء الاظافر" بدون أن يكون هناك أي حوار بينها وبين كوني . حتى أنس ريتا كان أنسا بائسا يشبه بؤس روحها.

            نالت ريتا المساعدة، وانفتحت على علاقة حقيقية مع جيرانها، وركّزت على إصلاح علاقتها مع ابنتها الوحيدة ، ونجحت في ذلك إلى حد ينبئ بتحسّن العلاقة.

            لكني لست وحيدة كريتا، ولست في حال انغلاق يمنعني من تواصل حقيقي ودافئ في مساره الصحيح، ما أحتاج إليه فقط هو أن أعيد تعريف الأشياء.

            " الوحدة" كثيرون منّا يتعاملون معها كشعور مصمَت، كأنها كتلة واحدة، لكن الوحدة شعور مركّب، له أجزاء، كل جزء منها يشعرنا بذلك الحزن الشفيف الذي يمس أرواحنا أو يسكنها .

            أنظر في قلبي فأجد أن شعور الوحدة هذه المرة يتعلّق بشوقي لبعض الصداقات لا كلّها، فكيف أجعل الحزن الجزئي كلّيّا ؟ هذا غير "حقيقي"، الحقيقة أن تركيز نظرنا على جزء الصورة لا يجعل هذا الجزء هو " كل الصورة" . ثم إن هناك أهلي وابنتي وصداقات أخرى حاضرة، فكيف أغفل عن الامتنان، وشهود نعمة الأنس بهم؟

            نعم، لا أحد يملأ مكان أحد، لكن هناك فرق بين أن ندرك أن ما نفتقده هو جزء، وبين أن نجعل الجزء هو "كل الصورة "، ومن قال إن الحياة تهبنا كلّ شيء، لكنها مع ذلك تساعدنا على السكينة إن نحن قدّرنا قيمة ما وهبتنا إياه .

            الاستغراق في شهود نعمة ما أكرمنا الله به، وصرف القلب عن الاستغراق في شهود النقصان، يساعد أحاسيسنا يوما بعد يوم لكي تأتلف مع وجهة العقل في " تفتيت الوحدة" .

            وصباحكم أنس وألفة ..

                                                                                   

           

الخميس، 28 مارس 2024

أسئلة منتصف العمر ، قراءة في كتاب: منتصف العمر: دليل فلسفي

 *نشرت هذه المقالة في مجلة الجوبة الثقافية ، العدد 82 ، رمضان 1445 الموافق مارس : 2024م 


"هل تستطيع  الفلسفة الأكاديمية بكل جدالاتها وشكوكها وتعقيداتها أن تساعد أي فرد في منتصف العمر يتساءل: كيف يحيا؟ "

يطرح كيرين سيتيا هذا السؤال في كتابه : "منتصف العمر : دليل فلسفي"، ثم يجيب عنه بالإيجاب، و يؤكد على أن تناوله لأزمة منتصف العمر من زاوية فلسفية ليس لأن تدريس الفلسفة والتأليف في موضوعاتها هو تخصصه الأكاديمي فحسب، ولكن لأن الأمر بالنسبة له بات شخصيا بعد حالة الخواء التي اكتسحت روحه رويدا رويدا رغم استقراره الأسري والمهني . يقول: " كنت أستاذا دائما في قسم جيّد، وأقيم في مدينة ملائمة في الغرب الأوسط من الولايات المتحدة، وكنت أعرف أني محظوظ لأني أفعل ما أحب ومع ذلك، كان هناك شيءٌ خاوٍ ... وحينما صرفت فكري إلى الحياة التي سعيت بجد لبنائها، شعرت بمزيج مربك من الحنين، والندم، ورهاب الاحتجاز، والفراغ، والخوف".

لا يستهدف الكتاب من هم في منتصف العمر فحسب، بل يخص كل من يواجه حقيقة استحالة الرجوع بالزمن بكل ما يتصل بهذه الحقيقة من أسئلة حول الفناء، والفوات، و الحياة التي أردناها وتلك التي نعيشها.

ويقول كيرين سيتيا إنه لا يفترض في قارئ هذا الكتاب أي معرفة مسبقة بالفلسفة، فقد كُتب بلغة سهلة وموجزة أو كما عبّر : " وقد حاولت أن أكتب كتابا تقرؤه وأنت واقف على قدم واحدة" .

لست متخصصة في الفلسفة، ووجدت أن المؤلف وفى بوعده.

نشر كيرين سيتيا هذا الكتاب في عام 2017م، وهذا القرب الزمني في معالجة الموضوع كان من أسباب فضولي لقراءة الكتاب الذي يناقش مسألة أنا معنيّة بها بشكل شخصي أيضا. وقد قامت بترجمة هذا الكتاب نورة أبو طالب، ونشرته دار معنى السعودية ، في عام 2022م . ويقع الكتاب في 205 صفحة.

والقراءة التي سأقدمها لكتاب "منتصف العمر : دليل فلسفي" ليست قراءة هيكلية أو تلخيصية، لكنها قراءة تعرض مختارات من الكتاب، كما أقدّم فيها أفكارا قادتني إليها بعض أفكار الكتاب التي أضافت عمقا إلى جوابي الوجودي الخاص عن أسئلة أزمة منتصف العمر.   

 

سطوة الزمن

              يقول كيرين سيتيا : تدور أزمة منتصف العمر حول السمات المرحلية للحياة الإنسانية: التناقص التدريجي للإمكانات ، وإتمام الخطط أو تعطلها، وتراكم الخبرات الحياتية، وفي هذا السياق  يجد الإنسان نفسه أمام أسئلة تتعلق بالزمن، والفناء، ومحدودية الحياة، والفرص الضائعة، والطموحات غير المحققة.

            هذه الأسئلة تصبح مؤرقة بالنسبة له، بحيث تفقده طعم الحياة، أو تجعله في حال من الغضب أو التخبط  أو اليأس أو الإحباط أو الخواء. هي ليست مجرد فترة عصيبة لأكدار أو ابتلاءات خارجية، جوهر أزمة منتصف العمر مرتبط بسطوة إحساس قاس بمضي الزمن بكل تجليات هذه السطوة من مشاعر حادة.

في عام 2008م، نشر الاقتصاديّان ديفيد بلانشفور من جامعة دارتماوث وآندرو أوزوالد من جامعة وارويك مقالا بعنوان :" هل الرفاه يأخذ شكل حرف U خلال دورة الحياة؟ " واستنادا إلى استطلاعات طرحت فيها أسئلة على بالغين من مختلف الأعمار من قبيل : ما مدى رضاك عن حياتك هذه الأيام، مع وضع كل شيء بالحسبان؟ ومن خلال التركيز على الدخل، والحالة الاجتماعية، والحالة الوظيفية، وجد الباحثان أن مستوى السعادة المبلّغ عنه بحسب العمر اتخذ حرف U المقوّس، حيث يبدأ عاليا في بداية مرحلة البلوغ، وينتهي عند نقطة أعلى في مرحلة الشيخوخة، ويصل إلى القاع عند سن السادسة والأربعين. وظهر هذا النمط في 72 دولة حول العالم، وكان متماثلا عند الرجال والنساء. وقد استبعد تحليل العلاقة بين المتغيّرات التفسير المرتبط بالضغوط الناتجة عن الأمومة والأبوّة. لقد كان منحنى U متفشيا ومكينا من الناحية النفسية ، ويبدأ ذلك من سن السادسة والأربعين . وقد اعتمد الباحثان منحنى U في دراسات طولية تتبع ذات الأفراد عاما بعد عام ، فمصدر هذا المنحى هو ما يجري لنا حين نتقدّم في السن، وليس الاختلافات في "مكان" الميلاد أو حالة المجتمع .

نحن إذن وفقا للخلاصة التي يقدّمها لنا كيرين سيتيا من نتائج الدراسات المتعلقة بأزمة منتصف العمر أمام حالة "كونشوتية" في مواجهة الزمن، حالة من عدم الرضا في أقصى صوره وتجلياته، وهذه الحالة تبدأ من السادسة والأربعين إلى الستين من العمر. وقد استوقفني في هذه الخلاصة ما قاله كيرين سيتيا من أنه وفقا للدراسات فإن مرحلة الشيخوخة ( ما بعد الستين ) هي مرحلة رضا وزهد وتصالح مع الزمن ، وأظن أني أفهم ذلك؛ ولكأن قدر الإنسان ألا يسكن إلا بعد العاصفة، وألا ينشرح  قلبه إلا بعد أن يبلغ شعوره بالضيق مداه.

لقد اختبرت بعض تجليات أزمة منتصف العمر  في السادسة والأربعين ولكني اليوم أجد نفسي – بفضل الله-قد تصالحت معها إلى حد كبير ولمّا أبلغ الخمسين. و أرجو أن تساعد هذه القراءة في رحلة الطمأنينة.   

 

تاريخ موجز لأزمة منتصف العمر

            يقول كيرين سيتيا إن أقدم نص يستشهد به على تناول أزمة منتصف العمر يأتي من الأسرة المصريّة الثانية عشرة، منذ نحو ألفي سنة قبل الميلاد، وهو عبارة عن حوار بين رجل منهك وروحه.

ويطوف بنا كيرين سيتيا في نصوص أدبية كُتبت في القرون الوسطى ، وما قبلها،  تتناول نماذج من أزمة منتصف العمر، ثم ينبّه على أن المغزى من الشواهد من زمن ما قبل التاريخ      وما في حكمها لا يكمن في تبيان لا زمنية أزمة منتصف العمر، بقدر ما يكمن في الكشف عن هيمنتها على مخيّلتنا. ويقول إنه من اليسير إسقاط صورتنا عن الأزمة على حياة سابقة مختلفة تماما عن حياتنا، ولكن الأصوب هو الاعتماد على تاريخ قابل للتتبع منذ ظهور الفكرة عام 1965م وحتى يومنا هذا.

            يأتي هذا التنبيه على الرغم من الروح الأدبية التي كتب بها هذا الكتاب،  ورغم أن المؤلف قد نصّ على أنه لم يتّبع: "أسلوب العلوم الاجتماعية المنهجية، وإنما أسلوب الملاحظة الدقيقة للتجربة المعاشة"، إلا أن تخصصه الأكاديمي غلبه هنا، فضيّق واسعا؛ لأن المصطلح لا يخلق المعنى لكنه يجلّيه، ويضبطه.

            ثم استعرض المؤلف عددا من الكتابات والدراسات الحديثة التي تناولت أزمة منتصف العمر من عام 1965م إلى عام 2012م . وقد استوقفني تنويهه  إلى أن التسعينات من القرن الماضي كان زمن ازدهار تناول فكرة أزمة منتصف العمر في الروايات، وذكر منها رواية: "حدث شيء ما" لجوزيف هيلر، ورواية: " الصيف قبل حلول الظلام" لدوريس ليسينغ.

 

قسوة الفوات

            ناقش الكتاب المشاعر العاصفة التي غالبا ما تزور المرء في منتصف عمره ، ومن هذه المشاعر شعور الفوات، أن يتحسّر المرء على خيارات لم يغتنمها، ولم يعد قادرا على استعادتها، أو يصعب عليه استعادتها؛ لأن التقدّم في العمر يضيّق ما كان واسعا في الشباب .

            يقول كيرين سيتيا :"إن الفوات نتيجة مترتبة على تعدد الخيارات، ولن يحميك من الحيرة والفزع سوى نضوب العالم من الخيارات، أو افتقارك إلى القدرة على التفاعل معها . وعليه فلا مناص من قبول واقعك. وهناك أمر آخر هو أننا نبالغ -غالبا- في تقدير قيمة امتلاك الخيارات، نعم، الخيارات مهمة، ولكنها لا تكفي للتعويض عن النتائج التي لن تفضّلها، فلو اخترت طريقا آخر فلا بد أن له خساراته، فلا تنخدع بجاذبية الاختيار. " اهـ مختصرا.

            هذا بعض جواب كيرين سيتيا عن وجع الفوات. وقد كان جوابي لنفسي كلما اشتد بي هذا الوجع، هو الآية الكريمة : (والله يعلم وأنتم لا تعلمون )، ثم إن كلام كيرين سيتيا ساعدني على مزيد تحرير لما توصّلت إليه بعد طول تأمل، وهو أن التسليم للقدر هو الجواب المنطقي الوحيد عن قسوة الفوات، وحسرات منتصف العمر .

وجوابي الذي ينطلق من نموذجي المعرفي الذي أؤمن به، هو أننا عاجزون عن  التحكّم بالقدر؛ إذ أننا لا نملك التحكّم في مسارات أقدارنا، مهما بلغنا من حكمةٍ في الاختيار، ثم إن هناك نقصنا الشخصي، وإخفاقاتنا اللازمة لبشريتنا، كل ذلك يقودنا إلى القبول، قبول ما مضى بكل       ما فيه من سوء؛ لأنه في جوهر الأمر لا أحد يملك القدرة على التحكم الكامل في مسار حياته، فمن نجح وتحقق، فنجاحه وتحققه فيه عامل غامض يتصل بمساعدة القدر على هذا النجاح والتحقق، ومن تعثرت خياراته، فجزء من الأمر يتعلق بالقدر لا بفساد اختياراته، وعليه فإن المرء بين خيارين؛ إما أن يسجن نفسه في ظلمة الشعور بالبؤس والندم، أو أن يصالح أيامه الماضية بقبولها، والإقبال على ما تبقى من عمره بنفس هادئة، تحاول التعلم من دروس الماضي،              ولا تتحلل من القيم التي تؤمن بها ولكأنها هي العائق الذي يحول بينها وبين ما تبقى لها من نعيم في هذه الحياة؛ لأنها حينئذ ستصطدم بمجهول جديد يكلّفها مزيد عنت، ومزيد شعور بالندم، والإحباط، وجفوة أهل مودتها.

 

خواء الحاضر

            يرى كيرين سيتيا – وفقا لتجربته الخاصة- أن التحدّي الأكثر إرباكا في منتصف العمر       لا يكمن في التأقلم مع الماضي أو المستقبل، وإنما مع خواء الحاضر، ومع الشعور بأن الإشباع مؤجّل أو فات أوانه، وأن سعي المرء الدؤوب يدمّر ذاته. والحل لهذه المعضلة عنده هو أن يركز المرء على ما يمارسه لا على أن يحصد نتيجة عمله، يقول: قد لا يكون هناك تغيير فيما تفعله من يوم لآخر، لكن الشعور بالامتلاء لا يأتي من الانتقال من مشروع ننجزه إلى مشروع جديد، وإنما من تقدير ما لدينا من مهام، سواء تلك التي لها أمد، كالمشاريع التي لها مدة انتهاء ( ككتابة مقالي هذا قبل أن أنهيه )، أو لا أمد لها، كعملية تربية الأبناء، أو الحفاظ على الصداقات، أو المشي والتنزه في صحبة النفس ، أو القراءة، أو فعل الكتابة قبل بلوغ غايته، أو مزاولة أي عمل جاد.  

           

صبر متمهل

            لقد ركّز الكتاب على العلاج المعرفي لأزمة منتصف العمر، ونبّه كيرين سيتيا في السطور الأخيرة من خاتمة الكتاب إلى أن الإدراك وحده غير كاف، بل لا بد من أن نفعّل الأفكار كممارسة، ونصبر على ذلك إلى أن تجعل الممارسة وجداننا في حال انسجام مع قناعاتنا العقلية. قال: " ما زلت أسعى إلى حل أزمة منتصف العمر التي أعيشها، برغم أني أدرك السبيل للخروج منها، يلزمني التخلّص من العقلية الانتهائية، وتنمية التوجّه غير الانتهائي في المقابل".

            الزمن كما يصوغ أزمتنا في منتصف العمر فإنه رفيقنا في تجاوزها، التبصر المعرفي يحتاج إلى الصبر المتمهل، وشهود النعمة في التفاصيل التي نحياها، أو ما سمّاه كيرين سيتيا تقدير ما لدينا من مهام، نصبر لنتحقق بالمعنى الذي نؤمن به، ونصبر حتى يصير المعنى سجيّة.

            أضيف هنا أمرا آخر، وهو أن أزمة منتصف العمر قد يكون علاجها أوسع من أن يقتصر على الجانب المعرفي، وهو الجانب الذي اجتهد كيرين سيتيا في بسطه في هذا الكتاب، فقد يحتاج من يمر بهذه الأزمة إلى علاج نفسي يعينه على استعادة توازنه، والاتساق مع قيمه .

                                                                                    



السبت، 24 فبراير 2024

بوصلة طفلك. لأن التهذيب وحده لا يكفي

 

كانت ابنتي آمنة في السادسة من عمرها عندما قالت لي: " ماما صديقتي تقول إن الموسيقى حرام ، فقلت لها: مستحيل تكون الموسيقى حرام، الموسيقى جميلة فكيف تكون حراما، أيضا نحن نسمع الموسيقى أنا وماما ولم تقل لي ماما أبدا إن الموسيقى حرام" .

ابتسمت، فلم أكن أتوقع أن تثير آمنة هذا الموضوع في هذه السن المبكرة . قلت: قبل أن أجيبك يا آمنة على سؤالك لا بد أن أحكي لك قصّة حدثت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت لها حديث: " لا يصلّين أحد العصر إلا في بني قريظة"[1] وكيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقر الفريقين على اجتهادهما.

قلت لآمنة هذه القصّة هي المنطلق الذي تفهمين منه أمرا مهمّا وهو أن العلماء كثيرا ما اختلفوا في فهم الآيات والأحاديث مثل اختلاف الصحابة في هذه القصّة، وقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحترم اختلاف العلماء.

والآن بالنسبة للموسيقى، الموسيقى يا آمنة وليس الكلمات، فقد اختلف العلماء في فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم في حكم الموسيقى، فأكثر العلماء قالوا إن الموسيقى حرام، وهناك علماء قالوا إن الموسيقى ليست حراما.

طلبت من آمنة أن تعيد عليّ ما فهمته من كلامي، وأعادته بشكل جيّد ثم قالت : لكن يا ماما كيف تكون الموسيقى الجميلة حراما[2]؟ قلت لها:  الموسيقى التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم كانت تعزف في مكان يجتمع فيه الناس على الخمر، والأفعال السيئة، فكانت هذه الأمور  السيئة جزءا من مجلس الغناء، ففهم أكثر العلماء أنها محرّمة لأنها تنتمي إلى الأمور السيئة إجمالا . لكن بعض العلماء فرّقوا بين الأمور السيئة وبين الموسيقى ووجدوا مثلك أن الموسيقى جميلة وقالوا  لماذا نقول إنها حرام إذا كانت لا ترافقها أمور سيئة ؟

لقد كان هذا الحوار بيني وبين آمنة هو أول ما نبهني إلى فكرة أن التربية لا تتعلق فقط بإرشاد أولادنا إلى التفاصيل المتعلقة بالتهذيب، وإنما بالمرجعيّة التي تشكّل موقفنا من التفاصيل.

أطفالنا ورحلة المعنى

            أذكر جيّدا أني عشت طفولتي وأوائل مراهقتي في الثمانينات دون أن أصطدم بأية أسئلة تتعلق بموقفي من هواياتي، أو من المسائل الأخلاقية المركبة كالصدق والكذب والتسامح ، كانت الأمور سلسة لا تعقيد فيها لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لطفلتي التي بدأت الأسئلة معها مبكّرا في السادسة.

            إذن يبدو أن أطفالنا يخوضون رحلة المعنى بصورة أكثر تعقيدا مما عشناه. كان " المعنى" في طفولتي يتصل بصورة بسيطة بفكرة أن الله يحب الخير ويكره الشر، وأننا نفعل الخير ليرضي الله عنّا ونبتعد عن الشر لأن الله لا يحبه.

            جيل ابنتي يتداول حديثا عن الحلال والحرام في تفاصيل لم نكن نتطرق إليها في الثمانينات. آمنة الآن في الحادية عشرة من عمرها ، تهوى الرسم ، وجاءت لتسألني هل حقا رسم الأشخاص حرام لأن صديقة لها قالت إن رسم " المانجا " حرام. عدت مع آمنة  إلى حديث بني قريظة ، هذا الحديث العظيم الذي يصوغ بشكل مبسّط موقف المسلم حيال الاختلاف الفقهي، ووجدت أن فهمه حاضر في وجدانها، وشرحت لها اختلاف العلماء في المسألة ؛ فكان أن اطمأنّت إلى هوايتها.

ما بعد الحلال

            مرّت خمس سنوات على حديثي مع آمنة عن الموسيقى، وعادت البارحة إليّ تسألني من جديد عن الموسيقى.

            قالت لي آمنة ألم تقولي لي يا ماما أن أكثر العلماء " من زمان" يقولون إن الموسيقى حرام، قولي لي من فضلك مرة أخرى لماذا قالوا ذلك ؟ شرحت لها من جديد وجهة الاختلاف بين العلماء في حكم الموسيقى، ثم وجدت أن الوقت صار مناسبا لتفصيل أعمق، فقلت لها: ليست العبرة – يا آمنة-  بالعدد ، عدد العلماء الذين فهموا فهما معيّنا، وإنما العبرة بالتمكّن العلمي، سواء اجتمع على الرأي عشرة أو قال به واحد فقط مادام مؤهلا. والمهم هو أن يختار المسلم من دائرة الإسلام الواسعة ما يكون مناسبا لشخصيته، وطبيعته ، واحتياجاته الوجدانية، بحيث يعيش في سلام واتساق بحيث لا يمارس أشياء تصطدم مع قناعاته ومرجعيته. قد يختار الإنسان في مسألة ما الرأي القائل بالتحريم لأنه يرى أنه أقرب لنفسيته والجزء الخاص برؤيته الذاتية للأمور، وضربت لها مثلا بما حكته لي صديقة من أنها كانت تصافح الرجال بناء على الفتوى التي أجازت ذلك، وأنها كانت تتبنى في حياتها مبدأ أن تفعل كل ما قال عالم معتبر بأنه حلال، وتجعل بوصلتها في التصرّف الأخذ بالأقوال التي تسمح ولا تمنع، ثم إنه تبيّن لها بعد أن نضجت تجربتها في الحياة أن الأمر أعمق من فكرة أن تأخذ بالمسموح ، وأنها تحتاج حقا إلى أن تتعرّف على موقفها الخاص من كل الأمور التي اختلف فيها العلماء والتي تتصل بتفاصيل شؤونها النفسية والاجتماعية والعملية وكل شؤون حياتها. قلت لآمنة : صديقتي الآن لا تصافح الرجال؛ لأنها فهمت أن هناك مساحة ذاتية تركها لنا الدين عبر فقه الاختلاف، مساحة نكتشف فيها رؤيتنا الخاصة ونمارسها وحينها قد نختار القول بالمنع لا الإباحة بناء على رؤيتنا الخاصة .

 الإسلام واسع يا آمنة، وما حرّمه الله علينا تحريما واضحا لا اختلاف فيه إنما يتعلق بأمور قليلة بالنسبة لمساحة الاختيارات المتاحة، ولم يحرّم الله علينا إلا ما يترتب على فعله مفسدة لحياتنا وجودتها، وغالبا تتبيّن لنا الرؤية التي من أجلها حرّم الله علينا فعلا ما.

 


أطفالنا والواقع

            طرحت قبل عام تقريبا فكرة السعة في الاختيار بين اجتهادات العلماء، وجاءتني اعتراضات كثيرة بناء على ما اعتمده الخطاب الديني لسنوات من القول ب" منع الأخذ بالأسهل"، وهو القول السائد في كتب الأصول والفقه ، وكنت أجيب بأن هذه المسألة فيها رأيان ليس أحدهما بأولى من الآخر، وأن ما اعتمدته هو ما ذهب إليه عدد من علماء الأصول والفقه من الحنفية والشافعية، وقد فصّلت ذلك في كتابي: " الثبات والتغيّر في الحكم الفقهي " وتناولته في مقالتين عن فقه السعة نشرتهما في مدونتي. ثمّ إنه طرأ لي اليوم فهم جديد، وهو أن القول         ب "منع الأخذ بالأسهل " ينتمي إلي سياق عام لا يهمل فقه الواقع، فإذا وجدنا أن القول بجواز الأخذ بالأسهل بضوابطه[3] هو الذي يحقق المصلحة الشرعية وفقا للسياق الحضاري المعاصر الذي يناسبه تعدّد الخيارات فينبغي أن يكون المآل -منهجيّا- إلى اعتماده.

            ما أؤمن به تربويا أننا كلّما أعطينا لأطفالنا سعة أكبر في الاختيار والسيطرة في إدارة اختياراتهم -بل وواجباتهم- بعد أن نزوّدهم بالبوصلة التي تشكّل مرجعيتهم فإننا بذلك ندعم سلامهم الداخلي ، وتواصلهم الآمن غير المرتبك مع الحياة .

 

البوصلة العقلية ليست ترفا

            لا شك أن التعامل الحكيم مع الطفل الذي يشبع احتياجاته النفسية الأساسية وهي الحب والاحترام والمساندة والرفقة يحمي الطفل من تخبطات السلوك لكن التربية العقلية التي ترافق ذلك ليست ترفا؛ لأن تلبية الاحتياجات النفسية الأساسية لن يجيب على حيرة الطفل حيال هواياته أو اختلافات زملائه في مسائل الحلال والحرام والأهم من ذلك حيرته الذاتية حيال حاجته إلى اتساق قناعاته مع ممارساته .

            المقالة إشارة إلى أهمية أن يفهم أطفالنا أن تصرّفاتهم ينبغي أن تستند إلى مرجعية كليّة؛ بحيث إننا نساعدهم على إدراك موقفهم من الأشياء التي يمارسونها. وفي سبيل ذلك سنشرح لهم الأفكار الكبرى التي تحكم التفاصيل المتعلقة بتعاملهم مع أقرانهم، ومع الكبار والصغار، وتحكم كذلك موقفهم من المختلفين عنهم في القناعات أو المظهر أو السلوك ، وتحكم موقفهم حيال ما يتعلمونه أو يطّلعون عليه من أفكار أو ثقافات.

            الأصل في تفاعلنا مع الحياة أن نكون في حال اتساق وانسجام بين ديننا وقيمنا وبين اختياراتنا المتعلقة بنمط هواياتنا وعلاقاتنا الإنسانية، والاستثناء هو حال الصراع. الأصل هو الاستقرار، والمجاهدة في إطار هذا الاستقرار لا الصراع المتعلق بمرجعيتنا، وقيمنا الوجودية.

            إملاء الأفكار لا يجدي، كما أن التربية العقلية لا تثمر إن لم يرافقها أمران؛ أحدهما: تربية وجدانية متوازنة وشاملة للاحتياجات النفسية الأساسية، والثاني: تربية أخلاقية تبدأ من أخلاق القلب وتمتد إلى أخلاق السلوك.

                                                                                   

حرر في:  ليلة النصف من شعبان 1445هـ

              14/ 2/ 2024م

 

                       

 

           



[1] رواه مسلم .

[2] سؤال آمنة هنا له مستويان من الجواب؛ أحدهما: المستوى الفقهي وهو الذي أجبتها به، وهو المستوى الأقرب، والمستوى الثاني وهو الأبعد، يتعلق بمسألة التقبيح والتحسين، ولم أتطرّق إليه معها لصعوبته.

[3] الأخذ بالأسهل ضوابطه : أن يقول به عالم معتبر، وأن لا يؤدي إلى التلفيق، وأن لا يترتب عليه مفسدة معتبرة.

 

 

الأربعاء، 17 يناير 2024

كنّا نحتاج إلى اسم

 


الاسم دواء

في "حصيلة الأيام"[1] تحكي إيزابيل الليندي أن الضغوطات قد أحاطت بحياتها مع زوجها الأمريكي من كل جانب، تفاصيل لا ذنب لأحدهما فيها ، تفاصيل تغيّر طعم الأيام ليكون مرّا،  وفجأة شعرت أنها غير قادرة على الاستمرار بعيدا عن وطنها تشيلي، وقالت لزوجها أنها تريد الطلاق، كان وقع كلامها عليه كالصاعقة ، طلب منها زيارة معالج نفسي ووافقت على مضض؛ فثقافتها التشيلية -كما قالت- لا تعترف بالأسلوب المدلل لحياة الأمريكيين. تقول إيزابيل: "استمع الرجل إلينا دون مقاطعة، وعندما لم يبق سوى دقائق قليلة لانتهاء الجلسة، رفع جفنيه ونظر إلينا بملامح رثاء بريئة ، وقال : يا للحزن الذي في حياتيكما. تمتمت : حزن؟ لم يخطر هذا الأمر لأي منّا. تلاشى غضبنا في هنيهة ، وأحسسنا حتى العظم بحزن فسيح باتساع المحيط الهادي، لم نكن نرغب في الاعتراف به لمجرد الكبرياء . أمسك ويللي يدي ، وجذبني نحو حشيته وتعانقنا، وأحسسنا للمرة الـأولى بأن قلبينا موجوعان جدا. وكانت تلك بداية المصالحة ."

لقد أنقذ زواجهما الاسم، كانا يحتاجان إلى أن يسمّيا مشاعرهما، أن يعطيا لها هويّة،  فلما هداهما المعالِج إلى الاسم، انفتح باب الصلح بينهما .

 

الاسم دفء

            في قصة قصيرة بعنوان : " حب قديم" من المجموعة القصصية :" أيام عادية" لعادل عصمت حديث شجيّ عن دفء أن نوفّق إلى تسمية ما نحسه من مشاعر حلوة ولو تأخرت هذه التسمية أربعين عاما : " بعد أربعين عاما تأتي صدفة لتبعث مشاعر قديمة وتمنحها اسم                 " الحب" . لولا رؤيتي لهذه البنت، لما تعرّفت على حب قديم، ظلّ غافيا، دون اسم ، حتى ظهرت فأعطته اسمه ومنحته الوجود. حضورها غير المتوقع رفع الغطاء عن مشاعر قديمة وحررها من غفوتها واستعدت فرحتي برؤية سناء ذات الضفائر والغمّازات والنمش على الأنف، تبتسم فتثير بهجة تلقائية ومرحا عذبا في الصباح "[2].

 

الاسم نجاة

            يحدثنا التربويون أننا إذا ساعدنا أطفالنا على تسمية مشاعرهم، ولم نصادرها، ولم نقل لهم إنهم بخير وهم لا يشعرون بذلك مهما بدا لنا تصرّفهم نشازا؛ فإننا بذلك نبني بداخلهم وطنا  لا تيه فيه ، يميّزون فيه أحاسيسهم ، وحينها فإننا قمنا بدورنا لحمايتهم من الاستمرار في  علاقة تشوشهم، أو تربك ثقتهم بما يشعرون به. لقد شيّدنا في وجدانهم وطنا يعرفون فيه أسماء مشاعرهم، فإذا ما حاول العبث معهم متلاعب، صدّهم عنه شعور من يحاول الغزاة أن يخرجوه من وطنه الآمن . لو عاش الأطفال خبرة احترام مشاعرهم وعدم تجاهلها أو الاستهانة بها فإنهم كما في كتاب :" الجسد لا ينسى" [3]لن يتقبّلوا سوء المعاملة من شريك مسيء، فهم تعوّدوا أن يعاملوا باحترام ، صوتهم الداخلي سينقذهم : " هذا ليس مألوفا ، هذا ليس شبيها بالوطن ".

 

الاسم دليل

            الأسماء كاشفة تميّز بين الإنسان الطيب والإنسان الخبيث. يسمّي الإنسان الخبيث الطيبة سذاجة، والتعفّف كِبرا، وحفظ المرء لحدوده جفاء، والبخل تدبيرا . قاموس الأسماء عند الخبثاء يعبث بالمعاني، ويشوّه الأفكار، لكنه دليل للمتبصّر على سوء طويتهم .

            يسمّي الإنسان الحكيم الأشياء بأسمائها، ليس فقط لأنه يتحرى الصدق، ولكن لأنه أيضا يراها واضحة ، لا تلتبس عليه معانيها. تسمية الأشياء بأسمائها قد يحتاج ما هو أكثر من الصدق قد يحتاج إلى علم وإلى خبرة .

لغة الأسماء عند أهل الحكمة دليل مروءة أيضا ، فهم يستحون أن يحرجوا بعلمهم جاهلا ، أو يفاخروا بفهمهم من دونهم ، وربما اختاروا الصمت عن تسمية الأشياء بأسمائها لئلا يقودوا خسيسا إلى مزيد خسّة .

           

 



[1] حصيلة الأيام ، إيزابيل الليندي، ترجمة صالح علماني، دار المدى، بغداد 2008م. ص 66.

[2] أيام عادية، عادل عصمت، الكتب خان، القاهرة 2023م. ص9 ( وفقا لتطبيق أبجد) .

[3] الجسد لا ينسى، د. بيسل فان در كولك، ترجمة عصام الدين سامي، عالم الأدب للترجمة والنشر، الطبعة الثانية، مصر 2021م. ص 215