الجمعة، 17 يوليو 2020

متعلق الأحكام الشرعية الخاصة بالذكر أو الأنثى: وكلام نفيس عن متعلق حق الوعظ والهجر والضرب في آية النشوز الشيخ/ مولود السريري





 هذا نص مهم لفضيلة الشيخ مولود السريري قرر فيه أن آية النشوز التي ورد فيها الوعظ والهجر والضرب ليست خاصة بالرجال وأن متعلقها النشوز لا الذكورة أو كما قال . وقد تكرمت بنقل النص الصوتي كتابة طالبة العلم الفاضلة : طروب الجفري . فجزاها الله خيرا .


"الأنوثة والذكورة لا تُعلّق بها الأحكام من حيث هي، وإنما تُعلّق بلوازمه؛ فمثلاً إذا وجدنا الشرع قد أعطى أموراً للرجل وأموراً للمرأة وأراد البعض أن يعلّقها بالأنوثة والذكورة، يُقال الذكورة والأنوثة ليست من مناطات الأحكام، إنما لوازم الأنوثة ولوازم الذكورة هي المعتبرة.

 لماذا المرأة يُعطى لها الولد ويُنزع من الوالد مع أن الوالد قد يكون أصلح له، وحنانه أشد من حنان أمه، هذه الأمور غير صحيحة!
لأنه ليس المرأة هي التي أُعطي لها هذا الحكم باعتبارها أنثى، بل أُعطي لها باعتبار أنها أكثر شفقةً في الغالب، وحناناً في الغالب، ولذلك لازم الأنوثة هنا الشفقة والحنان.

وهكذا كل المسائل التي يكون فيها للرجل اختصاص أو للمرأة اختصاص، فذلك ليس باعتبار الأنوثة ولا باعتبار الذكورة، وإنما باعتبار ماذا؟
خصائص أخرى تُلازم الذكورة والأنوثة فاعتُبرت في الفقه.

ومن الغلط أن يظن البعض بأن المعتَبر هي الأنوثة أو الذكورة, وأنت تجد أن هذه الذكورة توجد والأحكام تسقط!
والدليل على ذلك أن الأنوثة توجد والأحكام تزول إذا وُجد ما يرفع تلك الصفة المعتبرة في الحكم. لو فرضنا مثلاً أن امرأة أُعطيت لها الحضانة، فثبت بالدليل والبرهان أنها غير صالحة لهذا الولد لأنها تظلمه وتعتدي عليه، أو لا تحنو عليه، لا تشفق عليه وإنما تؤذيه، تُنزع منها الحضانة، الأنوثة باقية! لأن الحكم أصلاً لم يتعلق يوماً بالأنوثة، وإنما تعلق بوصف لازم للمرأة بطبعها بخَلقها بفطرتها، فاعتُبر في الحكم.

الرجل بيده عقدة النكاح، لكن إن أخذ هذه الولاية بطريقة غير شرعية ثبت بأنه غير أهل لهذه الولاية تُنزع منه، فتُطلق عليه المرأة إذا ثبت بأنه لم يقم بالولاية الشرعية على وجهها. ها هي الذكورة موجودة والولاية زائلة! أو مزالة عنه بالشرع!
فين هي الذكورة والأنوثة؟!

وما قيل هنا يُقال في الميراث؛ فالبعض ينظر إلى أن المرأة هي التي قُصدت بالنقص، وأن الرجل قُصد بزيادة؛ أبداً! بنية العمل، طبيعة العمل، طريقة الواجبات، طريقة الحقوق مترابطة.
الحقوق والواجبات مترابطة، فالرجل لما كُلّف بالإنفاق، وكُلّف بالواجبات، وكُلّف بكذا.. وكُلّف بكذا، كان الشرع لا بدّ أن يراعي وجود الحقوق عليه، أزيد منها عند المرأة، فلا بدّ أن يعطيها حقا، فلا بدّ أن يعينه على الحقوق، لأنه لم يوجب على المرأة شيئاً.

والبعض يقول بأن الشرع علّق الأحكام بالذكر أو بالأنثى، لا! لوازم الذكورة، لوازم الأنوثة هي التي تتعلّق بالأحكام، وإنما يصرّح الشرع بماذا؟ بالذكر والأنثى لأنهما وصفان ظاهران منضبطان ولم يصرّح بالأسرار الخفية كالحنان والعطف لأن هذه كلها أمور غيبية؛ فلو قال بأننا نعطي هذا الولد إلى المرأة الحنون الشفوق، فسنقلّب الأمر هل هي شفوق أو غير شفوق أو حنون أو غير حنون، وهل ثبت لها هذا الوصف؟ وهذا الوصف هل ثبت؟ ويقع النزاع!
ولكن لا، ربطه بما يرتبط به في الغالب.

النطق حين ربطه بالرضا في البيوع والمعاملات، وصف النطق يدل دائماً على الرضا؟ لا، قد يكون الإنسان مصرحاً بإرادة البيع وقلبه كاره، لكن في الغالب أن الذي يصرّح بشيء يريده، في الغالب.
الذي يقول أردت أن أبيع فعلاً يريد أن يبيع، الذي يريد أن يشتري يقول أريد أن أشتري، فلو عددت الناس في الأسواق بين الذي يقول أريد أن أشتري، وبين الذي يقول أريد أن أبيع، ونظرت في أحوالهم في الرضا لوجدت أن أغلب الناس راضون، لذلك هذه المسائل تُسمّى في الفقه الإسلامي عند من لا يفهمها بأنه يسند فيها الأحكام إلى أوصاف طردية.
ولماذا إذا كانت الذكورة تُلحق بها الأحكام تتغير الأحكام بتغير ما تعلّقت به الأحكام في الحقيقة؟!

كل هذه الأشياء التي تتعلق بالذكورة والأنوثة إنما تتبع أوصافاً مخصوصةً قائمةً بهؤلاء الناس، فلو زالت زالت الأحكام، وهذا مدخل مهم لمعرفة وفهم سبب ربط الشرع الأحكام بالذكر أو الأنثى.
وأنت خبير بأن كل ما أعطاه الله للذكر أعطاه للأنثى، حتى الهجر في المضاجع، حتى الضرب.
(لا، هي للرجل في القرآن)
ولكن الفقهاء قاسوها عليه، فثبّتوا لها الحكم. "وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ" الوعظ للمرأة أيضاً، بنفس المقاييس التي عند الرجل، هي نفسها أيضاً إذا رأت من الرجل خروجا عن العدل تعظه، تعطيه مدة، الوعظ بالوسائل التي يقع بها الوعظ، فإذا لم يأتِ منه شيء هجرته في المضجع، هل هي خارجة أو مستثناة من الحديث الذي فيه اللعن؟ نعم، مستثناة.
هل يحق لها الضرب؟ الأصل أنها تشتكيه للقاضي ليوقع الضرب، هي لا تستطيع أن تضربه، لأن لو ضربته قليل ضربها أكثر، الغالب في الغالب. البعض يأخذوا حقهم بلا قاضي بلا حاكم .
هل يمكن أن نعتبر المرأة إذا قدرت على ضرب الرجل تضربه أو لا بدّ  من أن تحيله على القضاء؟
في الغالب يُحال على القضاء حتى يحكم عليه القاضي بالضرب، في مختصر الشيخ خليل ينصّ على هذا الأمر، لكن ...( الكلام غير واضح هنا) 
مناطات ملازمة للذكر والأنثى هي المعتبرة في الحكم، ولما خفيت هذه الأمور على بعض الناس، واغتروا بظواهر الألفاظ، ولم ينظروا في الأحكام كيف تنقلب بصدق مع الذكورة والأنوثة أم مع أمور أخرى ربطوا الأحكام بالذكورة والأنوثة، على حين جهل، فصاروا يصرخون في النوادي المساواة المساواة!"





الأربعاء، 27 مايو 2020

عن ( ميرامار)

قال لي والدي –حفظه الله – مرة : هل قرأت رواية ( ميرامار) لنجيب محفوظ ؟ قلت له : لا . قال لي: إذن افعلي فهي في تقديري من أفضل رواياته بعد الحرافيش .
وهكذا فقد اخترت ( ميرامار) لتكون رواية عيد الفطر لهذا العام ولم تخيبني . لقد خرجت قبلها من رواية عظيمة هي ( التحول) لستيفان زفايغ ، وقلت لنفسي هل ستكون ( ميرامار) في قوة التحول من حيث التناول المتين فكرا وعاطفة  ؟
لست في معرض المقارنة بين الروايتين ، لكن ( ميرامار) زاخرة بشخصيات متعددة وحيواتهم وكشف أحاديثهم الداخلية باقتدار  .
الرواية الجيدة تحوّل الأفكار المجردة إلى تجربة شعورية ينفعل بها الوجدان . ولذلك فقد تكون ذات أثر عميق في تهذيب النفس، وقد تهبها بصيرة حكيمة تسترشد بها في مجاهل العلاقات الإنسانية.
و( ميرامار) رواية جيدة وأكثر ، فهي فوق ما قدمته لي من تجربة فكرية وشعورية ، فقد آنستني حقا بلغتها الرشيقة، وبنائها الذكي، ووصفها الجميل للإسكندرية .
إنها رواية تنحاز للقيم النبيلة ، والكفاح الأصيل، ومجاهدة الهوى ، والتحقق بالافتقار إلى الله عز وجل ، كل ذلك دون وعظ ساذج ، بل تتسلل إليك هذه المعاني ضمن انفعالات تفلح الرواية في جعلها تجيش في قلبك ألما، وتساؤلا ، وحيرة ، مع حس إنساني عال، يضع الرحمة في موضعها، والقسوة في موضعها أيضا .
لقد حاولت أن أكتب عن الرواية دون أن أفسد على من لم يقرأها حقه في قراءة بكر أو شبه بكر. فقط أود أن أقول إن شخصية منصور باهي قد حيرتني ، هل هو شبه وغد ؟ أم أن عقله قد تأثر فعلا بأحداث قاسية اختل معها شعوره، وتشوشت بصيرته ؟ فهو من أهل الأعذار لا الأكدار؟






الأحد، 24 مايو 2020

استشفاء

‏( القراءة ) استشفاء . من الممكن لفكرة في كتاب أن تنقلك نفسيا إلى مستوى من الفهم ، يجلو بعض كربك ، ويشرح صدرك ، أو يعينك على التحقق بخلق قد غيبتك تعقيدات الحياة عنه .القراءة وسيلة حقيقية للتغيير إن وفقت لمعان ينفعل بها وجدانك ويستنير بها عقلك معا .

الأحد، 17 مايو 2020

التجربة وأثرها في صلاح الدين والدنيا





ذكر الإمام الغزالي في كتاب آداب العزلة من إحياء علوم الدين سبع فوائد للمخالطة اختتمها بفائدة عظيمة تدل على عمق فهمه للنفس الإنسانية، ولجوهر الدين معا : قال إن المخالطة تفيد فهما أعمق لمصالح الإنسان في دينه ودنياه،وأن هذا لا يمكن استفادته دون تجربة حياتية واسعة ، وأن الذكاء وحده لا يفيد في أن يكون الإنسان مدركا لمصالحه في فهم نفسه، وطبيعتها، وفهم ما يصلح له في علاقته بربه ، وفي علاقته مع الناس والحياة .

ثم نبه على معنى مهم وهو أن الإنسان إن لم يخالط الناس فلن يكتشف أخلاقه ، ونفسيته، ولن يعلم إن كان يحمل قلبا نقيا، أم قلبا مكدرا بعيوب الأخلاق من عجب أو غيرة أو حسد أو حقد، فالعزلة لا تكشف أخلاق المرء ،      ( فكل مجرّب في الخلاء يسير ) . 

       ووجه أهمية اكتشاف هذه الأخلاق الباطنة هو صلاح القلب الذي هو أساس صلاح العمل. وإن بالجهل بخبائث القلب يحبط العمل الكثير، وبالعلم بها يزكو العمل القليل ، ولولا ذلك لما فضل العلم على العمل .

وقد تعجبت لهذا المعنى فقد كنت أظن أن العزلة ستحجب عن الناس شر أفعال المرء لكن الإمام الغزالي بعمق نظره الإنساني والشرعي نبّه على أن عبادة  الله تحتاج قلبا طاهرا ، متواضعا، يبغي الخير للناس ، فإذا اعتزل المرء وقلبه فاسد أدى ذلك إلى فساد في عبادته، إما عجبا، أو حقدا، أو عدم إرادة الخير للناس، و عدم النظر إليهم بعين الرحمة. ولا بد للمسلم من أن يمتحن أخلاقه الباطنة بالمخالطة، ويصلحها بأداء حقوق العباد قبل أن يعتزلهم .

مع كون فصل الخطاب في مسألة العزلة كما قرر الإمام الغزالي هو قول الإمام الشافعي : " يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض والمنبسط " .

وهذا نص كلامه : " الفائدة السابعة : التجارب : فإنها تستفاد من مخالطة الخلق ومجاري أحوالهم، والعقل الغريزي ليس كافيا في تفهم مصالح الدين و الدنيا، وإنما تفيدها التجربة والممارسة ،    ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب، فالصبي إذا اعتزل بقي غمرا جاهلا ، بل ينبغي أن يشتغل بالتعلم ليحصل له في مدة التعلم ما يحتاج إليه من التجارب، ويكفيه ذلك ، ويحصّل بقية التجارب بسماع الأحوال، فلا يحتاج إلى المخالطة.

ومن أهم التجارب : أن يجرّب نفسه وأخلاقه وصفات باطنه، وذلك لا يقدر عليه في الخلوة، فإن كل مجرّب في الخلوة يسير، وكل غضوب أو حقود أو حسود إذا خلا بنفسه لم يترشح منه خبثه، وهذه الصفات مهلكات في أنفسها، يجب إماطتها وقهرها، ولا يكفي تسكينها بالتباعد عما يحركها..."
ثم قال : " فالمخالطة لها فائدة ظاهرة عظيمة في استخراج الخبائث وإظهارها ولذلك قيل: ( السفر يسفر عن الأخلاق )، فإنه نوع من المخالطة الدائمة.
وستأتي غوائل هذه المعاني ودقائقها في ربع المهلكات، فإن بالجهل بها يحبط العمل الكثير، وبالعلم بها يزكو العمل القليل ، ولولا ذلك لما فضل العلم على العمل .... " اهـ .


الأربعاء، 13 مايو 2020

تعليقات على كتاب : ( الأربعون الولدانية ) .



                                                
اطلعت على كتاب ( الأربعون الولدانية ) لفضيلة الشيخ محمد المهنا ، وهو مشتمل على أربعين حديثا صحيحا مع شرحها ليحفظها الصغار ، كما ذكر- المؤلف وفقه الله – ونشر الكتاب على تويتر في شهر رمضان 1441هـ الموافق الثالث من شهر مايو 2020م. وقد قرأت الكتاب ، ووجدته نافعا ماشاء الله ، وكتبت عليه التعليقات التالية :
  • 1.     أعجبتتي فكرة الكتاب لأنها تتصل بي كأم ، وأعجبتني طريقة الكاتب الفاضل في الشرح ، لا سيما في شرح الحديث الثالث: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".فقط لي بعض الملاحظات التي أرى أنه بمراعاتها يكتمل هذا العمل النافع والمهم .
  • 2.     في الحديث الرابع تحدّث الشيخ عن وجوب حفظ السر وحبذا لو تطرّق إلى أن ذلك يختص بالكبار أو الأطفال مع آبائهم أما إذا طلب أحد من الطفل الصغير حفظ سر فينبغي على الطفل أن يخبر والديه درءا للمفسدة إذ أن الطفل ليس أهلا لتقدير المصالح والمفاسد ، وهو في رعاية والديه، وهما يقدّران ما يصلح له.
  • 3.     الحديث السابع وهو حديث مسلم في فضل صلاة الجماعة وكونها تغفر بها الذنوب أرى - والله أعلم- التنويه إلى ان غفران الذنوب بما لا يتصل بحقوق العباد والجمع بين هذا الحديث وبين حديث المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده لتكتمل لدى الطفل صورة متسقة عن رؤية الدين لمسؤولية المسلم في الحياة

  • 4.     الكلام عن التثبت قبل رواية الأحاديث جيد لولا الإلماح إلى عدم الاعتداد إلا بالصحيح منها والأمر فيه تفصيل وأخشى أن هذا الإجمال هو بمثابة التأسيس لنهج في التعامل مع الحديث يقوّض ما عليه جمهور الأمة في التعامل مع الحديث الضعيف .
  • 5.     الحديث عن خيرية تعلّم القرآن وحفظه حبذا لو قرنت بذكر أبواب الخير المختلفة لتتسع نظرة الطفل ولا يقع في ( تنميط الخيرية ) التي تجعل الاستقامة محصورة بطريقة معينة .مع التنويه على معاني عدم العجب، ودوام النظر الى فضل الخالق، والى أن العبرة بالخواتيم ، وأننا لا نعلم أينا إلى الله أقرب.
  • 6.     أعجبني اختيار الحديث١٥ : ( قال الله تبارك وتعالى : يا ابن آدم، أنفق ينفق عليك ) وحبذا لو بين الشارح أن أفضل النفقة هي النفقة الواجبة ثم المندوبة لأن شرحه كان فيه حث على الإنفاق دون تبيين مراتبه .والتبيين لمراتب الإنفاق ينظم عقلية الطفل ويصب في فهمه الراشد للأولويات كما قررها الشرع.
  • 7.     الحديث (١٧ ) عن إفشاء السلام حبذا لو أشار الشارح إلى تعلقه بالحديث ( ٣) عن أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وأفاض في شرح معنى السلام بما يتناسب مع أهميته في الدين.
  • 8.     الحديث التاسع عشر عن استحباب التلطف مع الناس ، وتبيان الأعذار فيما قد يسوؤهم. اختيار جميل للحديث ، وحبذا لو تطرق الشارح إلى فضيلة التماس العذر للآخرين ، وكذلك أن الإنسان قد لا يبين عذره تفصيلا لمصلحة يراها فينبغي قبول ذلك منه.
  • 9.     أحببت اختيار الحديث( ٢١ ) .مع كون الشرح أشكل عليّ من حيث اشتراطه النية لحصول الأجر وكأن المسألة فيها كلام عند العلماء فليراجع.
  • 10. الحديث ( ٢٨ ) لم أفهم كقارئة صورة استعمالهم للحجر الذي نهى عنه الحديث.
  • 11. الحديث(29) الحث على حسن التعامل مع من يعملون معنا مهم لكن هل أنس رضي الله عنه كان خادما بالمعنى التقليدي ؟ أم كان بمثابة التلميذ ؟ وكيف نوازن بين التعامل الحسن والحازم .أردت التنويه إلى ذلك لأن تعليم الأطفال فن العلاقات يجب ان يكون موازنا لئلا تصبح هناك فجوة بين الشرع والواقع.
  • 12. الحديث(٣٢) : كيف سنتكلم مع الطفل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يحقق له تواصلا راشدا مع نفسه ومجتمعه ؟ الشارح اكتفى بإثبات النص والآية الكريمة دون بيان.
  • 13. الحديث ( ٣٤ ) عن الحلف بغير الله .أحترم توجه الكاتب لكني لا أوافقه على تقرير رأي واحد في مسألة اجتهادية.
  • ختاما: العمل إجمالا موفق ومهم ما شاء الله . وكنت أحب أن يدرج حديث : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) لأهمية هذا الحديث وإن لم يكن على شرط الكاتب لكونه في غير الصحيحين.

السبت، 9 مايو 2020

قراءة في كتاب ( مقدمات العقاد) .(١) .





انتهيت قبل قليل من قراءة مقدمة كتاب ( مقدمات العقاد) للدكتور عبد الرحمن قائد . تقع المقدمة في   ( أربعين صفحة ) لكتاب فيه ( تسع وتسعون ) مقدمة من مقدمات العقاد لكتب متنوعة فكرية وأدبية. وقد تحدث المقدم عن أدب التقديم والفرق بينه وبين التقريظ، ونقل نقولات حسنة، والتقط لقطات لطيفة وطريفة. وقد جمع في المقدمة بين ثراء النقل، واستقلال النظر، وخفة الروح، ورشاقة العبارة.

ثم إني وقفت عند قوله : ( ظلت المقدمات العقادية نائية عن أن ينهد لجمعها ونشرها أحد ) وظننت كلمة       ( ينهد ) خطأ مطبعيا، ثم قلت لنفسي: لعلي أنا من ليس لديها علم بالكلمة، لأن الإخراج المعتنى به للكتاب يرجح عدم الخطأ ، مع تمكن د. عبد الرحمن قائد في العربية ، فراجعت ( لسان العرب ) ،فوجدت أن النهود بمعنى النهوض . فحمدت الله على تثبتي.

أعجبتني المقدمة في لغتها ، وسلاستها، ووضوح أفكارها، وتنظيمها،ونقولاتها ،وأعجبني التمكن الأدبي الذي جعل كاتبها يوصل لي كقارئة أنه بذل جهدا كبيرا في البحث لكن هذا الجهد جاء في سياق محبة و شغف بموضوع البحث، وإيمان بأهميته.

لكن الكاتب لم يشف غليلي من حيث بيان مآخذه على العقاد في مقدماته أو بعضها رغم أنه كتب سطورا طويلة في أهمية أن تشتمل المقدّمة على نقد حر. نعم نقل عن د. جميل صليبا أنه كتب بقلمه تعليقا على مقدّمة للعقاد:  " العقاد كثير الغرور بنفسه، والغرور طبع مناف للعلم " .ولكن هذا ليس كاف في نظري.

ختاما : المقدمة ثرية ، ومضمون الكتاب مثير لفضولي . ثم إن الكتاب يشتمل على ( 715 )، والقراءة فيه نظرا لتنوع موضوعاته ، وعدم ارتباط بعضها ببعض ، ستكون- بتوفيق الله - قراءة تعتمد خطة زمنية مطولة بالنسبة لي .

الجمعة، 20 مارس 2020

الرجال وحديث كفران العشير في بلابل التغريد


في حديث أن النساء هم أكثر أهل النار لأنهن يكفرن العشير : يقول الإمام ابن عبيد الله السقاف في بلابل التغريد ، الفائدة السابعة :- -ما معناه -: أن ذكر علة دخول النار وهي كفران الإحسان يقتضي أن كل من تحقق بهذا الوصف فهو من أهل النار من النساء أو الرجال .
قال : أما ذكر الأكثرية فيحمل على الكثرة، وذلك لأن المشاهد المحسوس اليوم - أي في عصر الإمام السقاف - أكثرية الرجال في الغدر وقلة الوفاء ، بل من قبل اليوم.
وإنما يستقيم فهم النص إذا قلنا : إن في نساء عصر النبوة وفاء إلا أنه مغمور بكثرة وفاء الرجال  ولذلك جاء الزجر لهن بأنهن أكثر أهل النار والمقصود الكثرة لا الأكثرية ، على طريقة كلام العرب في مثل ذلك، ويبقى الحكم منوطا بالعلة، وهي كفران الإحسان سواء كان فاعل ذلك رجلا أو امرأة . انتهى كلام الإمام السقاف مختصرا جدا .ومن أراد تفصيل كلامه فليراجع الكتاب فهو يشرح الصدر ، ويتمم فهم المراد.

الأربعاء، 11 مارس 2020

حقوق المرأة في الإسلام : نماذج من مراجعات عصرية. (1)



تشهد حقوق المرأة في الإسلام منذ سنوات مراجعات أصيلة، وجادة، لتمايز بين الاجتهاد الفقهي المرتبط بثقافة الفقيه في زمن ما، وكذا مصالح ذلك الزمن ، وبين الحقوق الأصيلة، والمتجددة المرتبطة بواقعنا المعاصر.
 وسأكتب مجموعة من التقريرات التي أراها مهمة والتي هي نتاج بحث العلماء ، أو نتاج بحث قمت به مسترشدة بمن أثق بعلمهم .
وهدفي من ذلك القيام بواجب الوقت في أمرين :
أحدهما: رفع الحرج الذي تشعر به كثير من النسوة حيال الطرح التقليدي لحقوق الرجل في الإسلام في مقابلة حقوق المرأة . ولكأن الدين جاء بما فيه قهر المرأة وكسرها .
الثاني: إزالة الشبهات المتعلقة بحقوق المرأة في الإسلام ، وتحرير المفاهيم الواردة في النصوص الشرعية والفقهية، وبيان أقصى سعة يحتملها النص الظني في هذه المسائل مما اعتمده أهل الاجتهاد بحيث نوصل الدين إلى شباب هذا العصر ، باللغة التي يفهمها ، ولا تلتبس عليه، فيظن أن الإسلام قد حرم المرأة من حقوقها الكاملة كإنسان .
وتكون إعادة صياغة المفاهيم ، وتحريرها ، وبيان الاجتهادات الميسرة من أهل العلم المعتبرين سبيلا إلى صياغة فقه جديد معتبر ملائم للعصر ، ومستوعب لنفسية أهله . والله أعلم .


 الحقوق بين الزوجين : موازنة تأصيلية : 

          سأبدأ بشيختي العالمة الجليلة فضيلة الدكتورة شادية كعكي –حفظها الله – فقد قررت في بحثها المعنون ب: ( الفضل وأثره في بلوغ السلام بين الأزواج ) كل واجب للزوج يقابله حق للزوجة : (فالزوجة واجب عليها الطاعة ولكن إذا لم يحسن صحبتها ولم يتغاض عن هفواتها فلن تستطيع الزوجة الوصول إلى تلك الطاعة  ) .
          أجد هذا الفهم الدقيق الذي قررته فضيلتها يتسق مع ما ذكره الإمام ابن عاشور في ( النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح ) في شرح الحديث الشريف : ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيىء لعنتها الملائكة حتى تصبح ) خص ذلك بالليل لقوله في هذا الحديث : ( حتى تصبح ) ... ووجه ذلك أنه وقت المضاجعة والأنس بالمرأة عادة، لأن النهار وقت شغلها ، فهي محمولة على العذر فيه . ثم قال الإمام ابن عاشور- وهو موضع الموافقة لما قررته فضيلة الدكتورة شادية كعكي - : " والمراد من الحديث أنها امتنعت لغير عذر ولا مغاضبة منه إياها ، فهو الامتناع المشعر بالنشوز عنه ؛ ولذلك كانت له عقوبة شرعا، وهي الهجران أو الضرب؛ لأن النشوز تنشأ عنه مفاسد جمة بين الزوجين، وجنايات مع المرغوب إليه، فهذا تأويل الحديث لأن ظاهره مشكل .
  خلاصة : فالمطالبة بالحقوق مقيدة بأداء الواجبات ، فليس لأحد الزوجين أن يطالب بحق له بينما هو يسقط حق الآخر عليه . وهذا ما اتفق فيه كلام د. شادية كعكي مع الإمام ابن عاشور: فحق الزوج في العلاقة الجسدية ليس حقا مطلقا وإنما يقابله حق الزوجة في العشرة بالمعروف فإذا آذاها نفسيا ، ونفرت منه ، فلا تطالب بذلك .
استدراك :
1. بقي أن أذكر هنا أن الإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير ، قد قرر – وتقريره موافق لمذهب الشافعية- هو وسيلة إصلاح يشترط لها أن لا تعده المرأة إهانة أو إضرارا . أقول : وتحقيق مناط المسألة يقتضي منع الضرب في عصرنا وإن اعتمدنا ما قيل إنه بالسواك  . والله أعلم .
2. فضلا عما قرره الإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير من أنه " يجوز لولاة الأمور إذا علموا أن الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعية مواضعها... أن يضربوا على أيديهم استعمال هذه العقوبة ، ويعلنوا لهم أن من ضرب امرأته عوقب ، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج ، لا سيما عند ضعف الوازع . " .


حول حديث لعن الملائكة لمن تمتنع عن الفراش :

1.     الحق في الإعفاف هو حق مشترك للزوجين .
2.     الحديث الوارد في اللعن ينبغي أن يتوجه أيضا إلى الرجال الذين يمتنعون عن إعفاف زوجاتهن إضرارا بهن وذلك بشكل أولي أو كما نعبر أصوليا وفقهيا من باب أولى ، لأن الرجل يستطيع أن يعف نفسه بزوجة أخرى – مع تفصيل في مسألة التعدد ليس هذا محله -  لكن الزوجة ليس لها طريق للإعفاف إلا طريق زوجها وهو ما نعبر عنه فقها بالحبس على الزوج . والله أعلم.

3.     المراد باللعن : جاء في فيض القدير للإمام عبد الرؤوف المناوي : " ليس المراد باللعن، اللغوي، الذي هو الطرد والبعد من رحمة الله؛ لأنه لا يجوز على مسلم بل العرفي، وهو مطلق الذم، والحرمان من الدعاء لها والاستغفار؛ إذ الملائكة تستغفر لمن في الأرض كما جاء به القرآن فتبيت محرومة من ذلك. اهـ. فيض القدير: ج1/ص309. وذكر الإمام ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار " قيل إن المراد باللعن في مثل ذلك الطرد عن منازل الأبرار لا عن رحمة العزيز الغفار" .

4.     الزجر الوارد في الحديث لمن تمتنع عن فراش زوجها تعنتا ، وإضرارا به، لا لسبب مشروع من عذر مرض، أو تعب، أو نفور لسوء خلقه أو مغاضبة منه إياها . والأصل في العلاقة الزوجية هو إحسان العشرة بالمعروف، والتعامل بالفضل إكراما ، وبذلك تستقيم الحياة .

                                                                                 10 / مارس / 2020م



الثلاثاء، 14 يناير 2020

أزمة منتصف العمر الرائعة




منتصف العمر :تأمل رائق :

لأني في الأربعينات من عمري فإن كتابا يتناول : " أزمة منتصف العمر" لا بد أن يجعلني أتوقف عنده. أعجبني ابتداء غلاف الكتاب ، لكنني خشيت أن تكون الترجمة رديئة ، وارتفع هذا الاحتمال مع تصفحي للكتاب ، وقراءتي الصفحة الأولى من المقدمة الجميلة والحكيمة التي كتبها أ. د يحي الرخاوي الطبيب النفسي الشهير  . قرأت للدكتور قبلا، وشاهدته يتحدث ، وهو جميل الروح ، أصيل الفكر، هذا ما تركه لدي من انطباع من قديم . وكان ذلك  عندي كافيا لشراء الكتاب الذي كتبته الكاتبة الأمريكية : ايدا لوشان . وترجمته الأستاذة : سهير صبري . ونشرته دار: صفحة سبعة للنشر والتوزيع . وتعجبت كما أعجبني أن دار النشر سعودية واختارت أ.د يحيى الرخاوي لكتابة المقدمة.
وفي هذه السطور سأتخير من الكتاب ما وجدت أنه جدير بأن أشاركه معكم . والكتاب كما ذكر الدكتور الرخاوي هو عمل أدبي في المقام الأول ، وبالتالي فهو عندي أكثر قدرة على النفاذ إلى أعماق القارىء ، ونشوء نوع من الصداقة ، والألفة ، بينهما ، وكذلك مساعدة القارىء على التأمل الرائق في أفكار الكتاب .
وهنا لا بد لي أن أقول : إن هذا الكتاب يلامس مسائل إنسانية حقيقية ، قد يعيشها بعضنا لا كلنا، لكن ليس لمن أكرمه الله بسكينة الروح أن يستنكر حديثا عن اضطراماتها ، ولعل قراءته عن ما يواجهه أقرانه يجعله أكثر نضجا ، وإدراكا للمعاناة الإنسانية .

الأزمة الثانية للهوية :

تقول الكاتبة أننا في منتصف العمر نواجه أزمة هوية ترتبط بالتساؤل هل عشنا حياتنا كما يجب؟ لقد تسرب الوقت، فكيف سنسير فيما تبقى منها بكل ما يرتبط بذلك من تغيرات تتصل بالتقدم في العمر ، و ضعف القدرة الجسدية ؟ . " وفي معظم الأحيان نمر بتلك المشاعر التي نألفها في فترة المراهقة : الشعور بأن الحياة بلا معنى .. . وفي الواقع فإن ما يجب أن نتذكره هو الوجه الآخر من المراهقة ، الوجه الثابت القوي : الشعور بالثورة والدهشة ، الشغف، والسعادة لكشف القوى الكامنة فينا، والابتهاج بالحياة . "
إن منتصف العمر هو فرصتنا الثانية لاستكمال أزمة الهوية التي بدأت في المراهقة، وهي فرصتنا الحقيقية لفهم أنفسنا بشكل أعمق، والتحقق بذواتنا .
الألم والنضج :
الآلام والخيبات التي نواجهها في منتصف العمر ، يكون وقعها أعظم في النفس لأنها تجيء ونحن مستقبلين للفصل الأخير من حياتنا ، وقد قطعنا شوطا كبيرا من الآمال في أن نجني  ثمرة الخير الذي قدمناه . لكن البعض منا يدرك متأخرا أن الخير الذي يقدمه ينبغي أن يكون دافعه الأصيل هو التحقق بما يجب التحقق به من أخلاق فاضلة دون أن يتوقع بشكل قاطع أن يجد ثمرة ذلك عرفانا أو نجاحا أو نعيما من الناس أو الحياة.
          نعم ، أن تتبنى قيما جيدة ، وتجعلها منهاجا لحياتك ، لا يعني ذلك أن تكافئك الحياة قطعا ، فقد يخيب أملك في ذلك : تتعثر صحتك ، أو يخذلك الأحبة من أهل أو أصدقاء أو شريك حياة . وهذا المعنى قد تتأخر في إدراكه حتى منتصف العمر ، ليهديك ذلك ألما يجعلك أكثر حكمة.
أقول : وهو ألم يعلمك كيف توازن بين حقوق نفسك وحقوق الآخرين ، لئلا ينقلب الإحسان ضررا لأنك لم تنزله منزلته بحكمة .
تنقل الكاتبة عن جبران خليل جبران في كتاب " النبي" : " إن الألم الذي تشعر به إنما هو تحطيم للقشرة التي تغلف إدراكك ." .
          وفي هذا السياق تنبه الكاتبة إلى أننا يجب أن نحترم مشاعر الألم التي يمر بها أطفالنا ، ولا نحاول صرفهم عنها، لأن ذلك يجعلهم قادرين على التعامل مع آلامهم باتزان . وتنقل عن إبراهيم ماسلو في كتابه : " نحو سيكولوجية الوجود " : " إذا كان الحزن والألم ضروريين للنمو فيجب ألا نحمي الآخرين منهما كما لو أنهما دائما سوء ، فأحيانا يكون الحزن والألم نعمة مرغوبة ... إن عدم ترك الآخرين يعيشون آلامهم، وحمايتهم منها، قد تتحول إلى شكل من أشكال الوصاية تظهر بدورها عدم احترام الطبيعة الجوهرية للشخصية، وتوحدها، وتطورها المستقبلي."

مراجعات تربوية نسوية :  

          كتبت ايدا لوشان هذا الكتاب وهي في الثامنة والأربعين من عمرها ، ولديها ابنة واحدة تبلغ من العمر عشرون عاما . وقد ناقشت -في الفصل الثالث المعنون ب: " خطأ نسائي " -الأفكار النسوية المرتبطة بعمل المرأة ، وعلاقتها بالرجل كزوج . 
           وقد تأثرت الأفكار التي تبنتها ايدا إلى حد كبير بتجربتها الشخصية. والتأثر بالتجربة الشخصية – في تقديري – إذا رافقه تفكير منهجي منضبط فإنه يثري الأفكار بعمق إنساني أصيل ، وهو جزء مهم من موضوعية الفكرة ، وسلامة منهجية التفكير في القضايا الإنسانية.
          ايدا كما تصف نفسها امرأة متحررة ، نشأت في بيئة تعلي من قيمة عمل المرأة : تقول ايدا : "نشأت في بيئة يقر فيها الأهل بأنه لا بد أن يكون لي دور هام في حياتي لا يقتصر على رعاية البيت والأولاد ... وأثناء مراهقتي ومستهل شبابي كنت شديدة العداء لأن يكون دور المرأة هو المنزل فقط بنفس الدرجة التي أراها لدى الثائرات اليوم ، لقد كنت ومازلت زوجة وأما عاملة طوال حياتي . وعندما أسترجع ذلك الآن أجد الكثير جدا الذي أتمنى تغييره . أشعر بالامتنان العميق لأني عشت في زمن استطعت أن أحقق فيه نفسي كإنسان . ولكني أشعر بالندم على ما لم أحققه . "
          ما الذي تشعر ايدا على الندم لعدم تحقيقه ؟ إنها تحدثنا عن تفاصيل صغيرة مؤثرة ، حرمتها التواصل الحلو مع ذاتها ، ومع ابنتها ، في خضم سعيها للتحقق بذاتها كصاحبة فكر ، وقدرة على التواصل الناجح مع العالم الخارجي بما يرتبط بتحقيق مصالحها المادية ، والعملية، والاجتماعية . لقد وجدت أن هذا السعي المثابر حرمها فهما أعمق للحياة. وتعلمت أن الفكر الذي كانت تفخر بتبنيه هو فكر ينقصه جذوة مهمة ترتبط بتقدير التواصل الإنساني الخاص الذي تمنحه الأمومة.
          تقول ايدا : " كنت عندما أغير "الحفاظات" لابنتي وهي طفلة رضيعة، أخشى على قدراتي الذهنية من الضمور من جراء ذلك ، ولم أسمح لنفسي مطلقا بمشاعر الأمومة البسيطة المرحة ، كنت أستغرق تماما في قراءة أحدث ما كتب عن سيكولوجية الطفل بدلا من أن أتمتع بمراقبة ابنتي ، وأن أشاهد العالم من جديد من خلال عينيها . وبدلا من أن أبني معها قصورا من الرمال ، أو استنشق معها عطر زهرة ، كنت أدون الملاحظات الخاصة بمقالي القادم عن تربية الأطفال . وبدلا من الاستماع إلى تطور حديثها ، والتمتع بما تعلمه لي من روعة الوجود ،وجمال أن تراقب وتنظر وتصغي إلى الحياة من حولك ، كنت أشعر بالضيق لضياع وقتي  ... كم أنا نادمة على لحظات الحب الخالص التي أهدرتها." .
          تعتقد ايدا أن  تحقق المرأة الأم بذاتها لن يكتمل ما لم تتحقق بأمومتها كاملة ، وتقترح لذلك أن تمارس المرأة حياة كاملة مع أطفالها إلى أن توصلهم إلى عتبات الاستقلال ، ثم تتجه لحياة جديدة بمعطيات جديدة .
          الإشكال عندي هو أن قدرة المرأة في مجتمعنا على تحقيق الصيغة " الجميلة " التي تتحدث عنها الكاتبة يحتاج إلى خطط مجتمعية لتمكين الأم من القيام بدورها في الأسرة دون أن يجعلها رهينة لتسلط الزوج المادي والعاطفي . إن الالتزام بالدور الأمومي للمرأة يحتاج إلى مساعدتها على إثراء بقية الأدوار في حياتها بما يصب في استقرارها النفسي , وكفايتها المادية . وبدون ذلك فلتعش الأم دورها الأمومي بشكل منقوص في مقابل عدم اختلال حياتها ككل .

          وهنا لا بد لي أن أشير إلى كتاب د. هبة شريف : ن النسوية فقد ناقشت فيه قضية عمل المرأة نقاشا مثريا، وبسطت فيه الآراء المتنوعة في هذا الموضوع ، مع بيان الإشكالات والاعتراضات التي ترد على وجهات النظر المتباينة .

إجابات شخصية:

          حديث ايدا لوشان عن تجربتها الخاصة المتعلقة بدورها كأم ، وإدراكها وهي في منتصف العمر أن فهمها النسوي لحقوقها لم يكن معتدلا ، جعلني أتأمل  في مسؤوليتنا عن إنضاج الأفكار قبل تبنيها ، لا سيما إن كان الأمر يتعلق بحقوق الناس ، ونمط حياتهم . نحتاج إلى الكثير من التواضع قبل أن نتصدر ، ونحتاج إلى الكثير من الصبر على التعلم.
          تقول  ايدا : لا يمكن لنا أن نقرر الحقوق المرتبطة بحياة النساء إذا لم نكن قادرين على رؤية أن العديد من النساء يجدن بهجة وسعادة في المهمة التقليدية للمرأة . كما أنه من المؤلم  أن تسمع ربات البيوت في منتصف العمر كلاما عن كونهن أهدرن أعمارهن في تربية أطفالهن . إن هؤلاء النسوة من حقهن أن تحترم مواهبهن و أن يجدن منافذ مناسبة في مراكز رعاية الأطفال، والمستشفيات ، ومساعدة المعلمات .
          وتقول أيضا : " إن التقليل من شأن الأمومة ، وتربية الأطفال، ومن قيمة الإحساس الغريزي بالرغبة في الاحتضان الموجود لدى العديد من النساء يبلغ من الشر والظلم والخطورة مثلما يبلغ الرأي القائل بأن النساء لا يصلحن إلا لهذا الدور . ووسط صيحات دعاة التحرير التي تعلو بغضب ، يصعب على أي فرد أن يتمسك بوجهة نظره الشخصية فيما يراه ثريا تماما ."
          وتستفيض ايدا لوشان في مناقشة الأفكار النسوية المتعلقة بعمل المرأة ، ودورها الأسري، وعلاقتها الجنسية بالرجل ، وتخلص إلى القول بأن هذه الأمواج من الأفكار المتلاطمة ، لا بد لها أن تستقر على شاطىء الاعتدال ، واحترام خيار الفرد في أن يجيب عن أسئلة الحقوق بما يلائم طبيعته الشخصية . والحصول على الإجابات الخاصة هي إحدى التحديات المهمة التي تواجهها المرأة في منتصف العمر.

على ضفاف الكتاب :

          لم أتحدث في السطور السابقة إلا عن شذرات من الأفكار الجديرة بالوقوف عندها تفكيرا وتأملا. وبقيت فصول تستحق القراءة الناقدة كالفصل المتعلق بأزمة منتصف العمر عند الرجال والذي أرجو أن يستفز أحد القراء من الرجال لكتابة مراجعة حوله . ومن الفصول المهمة الفصل المتعلق بما تتعرض له العلاقة الزوجية من مشكلات تتصل بأزمة منتصف العمر التي يمر بها الزوجان . ثم بقية فصول الكتاب التي تتناثر فيها قطع من الأفكار الذهبية الثمينة . ولعل أهم ما تميز به طرح الكاتبة هو ما أشار إليه أ. د يحيى الرخاوي في المقدمة من  أنها لم تتخذ من الأفكار موقفا حكميا فوقيا أبدا ، لقد ذكر الدكتور الرخاوي ذلك عندما وصف موقف الكاتبة من أحد أنواع العلاج النفسي ، لكني أجد أن هذا الوصف يصح أن نشمل به جميع ما ذكرته في كتابها من أفكار .

الأربعاء، 11 ديسمبر 2019

الابتزاز العاطفي


ماريا تحكي :
" لقد كان قادرا على الفوز في أي نقاش غالبا ، لأنه كان يفلح في أن يجعلني أشعر بالذنب ، والتقصير، والتفريط بقيم لا يليق بمثلي أن يفرط فيها . والأمر تحول مع الأيام في داخلي إلى إحساس  متصل مربك بعدم الثقة في نفسي ، وهذا ما يجعلني متوترة دائما. إنه يكرر عبارات تتعلق بمراعاة الواجبات الأخلاقية تجعلني فعليا أغرق في تأمل التزامي بها لأتشكك في كل ما كنت أعترض عليه، أو أطالب به " .

هذا ما حكته ( ماريا) في جلسة العلاج النفسي كما ورد في كتاب : (الابتزاز العاطفي ) للدكتورة سوزان فورورد . من ترجمة مكتبة جرير .

تقول ماريا :إنني إنسانة قوية، ومستقلة، ومتحققة  فكيف استطاع زوجي جاي أن ينال من سكينة روحي، وصفاء حكمي على الأمور.

ثقتك به تجعله يتحكم بانفعالاتك :
          ما حكت عنه ماريا هو حالة نموذجية من حالات الابتزاز العاطفي الذي هو :" أحد الأشكال الفعالة للتلاعب والذي فيه يهددنا الأشخاص المقربون منا – سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- ليعاقبونا إذا لم نفعل ما يريدونه ... فالمبتزون عاطفيا يعرفون مدى تقديرنا لعلاقتنا بهم، ويعرفون نقاط ضعفنا... وبغض النظر عن مقدار اهتمامهم بنا، فعندما يشعرون بأنهم لن يحصلوا على ما يريدون ، يستخدمون معرفتهم الحميمية لتشكيل التهديدات التي تعطيهم النتيجة التي يريدونها وهي امتثالنا لرغباتهم ... فمثلا إذا كنت تعتز بكونك كريما ومهتما بالآخرين ، فربما يصفك المبتز بأنك أناني أو غير مراع للآخرين إذا لم تستجب لرغباته .... وإذا صدقت المبتز ، فقد تقع في نمط السماح له بالتحكم في قراراتك وسلوكك . " ( الابتزاز العاطفي: ص 5).

لماذا ينجح الابتزاز العاطفي مع الأذكياء والثابتين انفعاليا:  

          تقول الدكتورة سوزان:"  لماذا يكون بعض الناس – مهما كان ذكاؤهم وثباتهم الانفعالي – عرضة للابتزاز العاطفي ، في حين يستطيع آخرون التصدي له ؟ تكمن الإجابة في مثيرات الاستجابة العاطفية بداخلنا ... كل مثير استجابة يشبه خلية طاقة يتم شحنها بالمشكلات النفسية التي لم يتم التعامل معها –السخط المختزن ، والشعور بالذنب، والمخاوف ، ومواضع الضعف . هذه هي نقاط ضعفنا التي شكلها مزاجنا ونفسيتنا إلى جانب تجاربنا منذ أن كنا أطفالا... تتسبب هذه المشاعر والذكريات في صدور ردود فعل منافية للفكر أو المنطق ، تستغل العاطفة النقية التي كانت مختزنة وتكتسب قوة لفترة طويلة . قد لا نتذكر دائما الأحداث التي قادت إلى تكوين مثيرات الاستجابة هذه ، وعندما يتعلق الأمر بالتعقيدات المرتبطة بسبب قيامنا بالأشياء التي نقوم بها، فإن السبب والنتيجة يمكن أن يكونا مراوغين . لكن إذا تساءلت يوما أين تذهب المشاعر والخبرات " المكبوتة" فإن مثيرات الاستجابة بداخلك هي مكان ملائم للبحث فيه . "     ( الابتزاز العاطفي: ص 129، 130) .

لا تطلب أخلاق الملائكة:

ماريا تربت في بيئة تعلي من القيم الدينية والأخلاقية إعلاء يطالب أفرادها بالسعي نحو الكمال، ذلك السعي الذي يجعل قيما كالإيثار ، والتسامح، والالتزام بالواجبات حاضرة في محيطها فكرا وممارسة .
          لم تكن ماريا تواجه مشكلات تقريبا في بيئة تقدر هكذا قيم ، تقديرا ينبع من الحرص على تحقيق العدل كما التحقق بالفضل . كان التقصير في الفضائل يواجه باللوم، والنبذ ، في محيط  يتسم بأخلاق ( أولاد الأصول).
          هذه التربية الأخلاقية المتشبثة بالكمالات تشبثا يساوي بينها وبين الواجبات تفتقر إلى النضج الإنساني ، ومن ثم فإن ماريا كانت فريسة سهلة لابتزاز يستخدم فيه زوجها ما يعزز موقفه من التعاليم الدينية ، والالتزامات الأخلاقية ، ليؤكد مدى الامتنان الذي يجب أن تشعر به لكل ما فعله من أجلها من أمور جيدة . ( الابتزاز العاطفي : ص 68 ).


الخروج عن السيطرة :
          غالبا ما تكون أفكارنا عن الواجبات والالتزامات أفكارا منطقية ، وهي تشكل أساسا أخلاقيا ومعنويا لحياتنا ، وهو أساس ضروري، ولكن أحيانا تفشل محاولاتنا في تحقيق التوازن بين الاضطلاع بمسؤوليتنا تجاه أنفسنا وبين تحقيق ما نشعر بأننا ندين للآخرين به . فنحن نخل بهذا التوازن لأجل الشعور بالواجب .
يخلق الابتزاز العاطفي الكثير من الضباب في أعماقنا، إنه يمس ضعفنا الداخلي ، المتعلق بحرصنا على القيم الفاضلة، وأن نكون محبوبين ، ومقبولين، ومرغوبين،ويسود السلام والدفء علاقاتنا. كل هذه الأمور تصبح هدفا للمساومة دون أن نرى ذلك بسبب الضباب الكثيف الذي ينثره المبتز بمعاملته الجيدة لنا في حال لم نختلف معه. وهو يستخدم هذه المعاملة الجيدة كسلاح معنوي يشكك به من نزاهتنا معه.



ضباب الابتزاز العاطفي وعمليات التفكير :
عالم الابتزاز العاطفي هو عالم مربك، فقد يحدث الابتزاز العاطفي في سياق علاقة  يسودها كثير من الأمور الجيدة والإيجابية ، ونجد أننا ندع ذكريات التجارب الإيجابية تطغى على الشعور الملح الذي ينتابنا بأننا لسنا على ما يرام . فالابتزاز العاطفي يتسلل إلينا ، زاحفا بهدوء ليتخطى حدود التصرف المقبول إلى تصرفات تكون مشوبة ثم مشبعة بكل ما يقوض سعادتنا . فعندما نتعايش مع الابتزاز العاطفي ، فإنه يزيد من شعورنا بالكآبة ، وتزداد حدته حتى يعرّض أهم علاقاتنا، وشعورنا بالاحترام لأنفسنا بالخطر . ( الابتزاز العاطفي : ص 11، ص 17، ص 18) .
إن الضباب الكثيف -من المتاجرة باللوم، والشعور بالذنب- الذي ينثره المبتز عاطفيا يضللنا ، ويحرّف نظرتنا للأمور ، ويشوه تاريخنا الشخصي، ويشوّش على فهمنا لما يحدث حولنا . والضباب يتجاهل عمليات تفكيرنا ، ويستهدف استجاباتنا العاطفية مباشرة.


إشعال الأنوار :
            لكي نبدد الضباب الذي يشوش عمليات التفكير لدينا ، لا بد من إشعال الأنوار، وأول خطوة في ذلك هي البصيرة، وفهم ما نمر به من ضغوط قاسية. ومن الضروري أن نعلم أن الفهم وحده لا يكفي، فمزيد من الضباب الذي يتكاثف مع الأيام ، لا بد له من تغيير لسلوكنا ، إذ أن فهم  سبب قيامنا بردود الأفعال الخاطئة لن يجعلنا نتوقف عن إتيانها ، والتذمر ومناشدة الطرف الآخر لن يحققا ذلك أيضا .
     لقد كانت هذه السطور المقتبسة بتصرف من كتاب : ( الابتزاز العاطفي ) هي بمثابة محاولة للتعريف بالخطورة النفسية للوقوع في شرك علاقة معقدة مع مبتز سواء كانت العلاقة  علاقة قرابة، أو زوجية، أو صداقة، أو عمل . ولعلي في مقالة قادمة أختار من هذا الكتاب القيّم ما يعيين على تغيير سلوكنا ، والتعامل الحكيم مع المبتز وصولا إلى إصلاح العلاقة ، ووضعها في المسار الصحيح كهدف أساس .