الجمعة، 8 يناير 2016

مقالاتي القديمة 3: ستر المغتصبات .. وقفات مع فقه سيدنا عمر .

"زينب دياب" فتاة في مقتبل العمر، تتدفق حيوية وتألقاً، ذلك الألق الذي خلقه جمال الصورة ولمعان العقل.. يحدثنا الأستاذ الكبير نجيب محفوظ عنها في روايته "الكرنك" عن شبابها وإقبالها على الحياة، ويصف لنا وصفاً عميقاً وذكياً الصراع الذي يموج في نفسها، الصراع بين الدهشة الغضة بالفكر الجديد وبين القيم الأصيلة.. لا تملك إلا أن تحب شبابها وتتأمله، لكن زينب تنهار.. وينهار معها كل ذلك "الألق" بعد اعتداء زبانية رجل المخابرات "خالد صفوان"عليها.
حياة الشرفاء
للوهلة الأولى قد يظن القارئ أن السبب في الانهيار هو اغتصابها، وجدير أن يظن-بادي الرأي- أن جريمة كهذه يمكن أن تدمّر فتاة عفيفة، وتقضي على بكارة وجدانها، ونقاوته، لكن الأستاذ نجيب محفوظ يلفت نظرنا من خلال كلمات "زينب" إلى معنى مهم، وهو أن السبب البعيد والأصيل في الدمار الذي حل بنفسيتها هو أنه لم يكن لديها حصانة معرفية تحمي بها نفسها من التردي في ظلمات احتقار الذات، الذي أدى بها إلى السقوط.
تقول زينب: "رفضت التظاهر بحياة الشرفاء وقررت أن أعيش كما ينبغي لامرأة بلا كرامة.. ثم اضطرب تفكيري فضل ضلالاً بعيداً." (رواية الكرنك. نجيب محفوظ. ص70. دار الشروق.مصر).
لقد اضطرب تفكيرها فضل ضلالاً بعيداً.. لم يكن لديها بناء معرفيا يحميها من المشاعر السلبية، واضطراب التفكير.. وهكذا كان حال بعض من دمرهن الاغتصاب، ولم يسهم المجتمع في حمايتهن أولاً من جريمة الاغتصاب، ولم يسهم ثانيا في حمايتهن من تدمير أنفسهن.
إنهن لا يستحققن ذلك.. العقل المنصف يشهد بذلك.. والشرع الحكيم يحميهن من هذه المشاعر ومن اضطراب التفكير، ونجد في فقه سيدنا عمر ما يدل دلالة واضحة على حق الفتاة المغتصبة في حياة كريمة، وحقها في أن يكون أهلها هم أول الناس حماية لها ودعماً.
"فقه الستر" في فقه الفاروق عمر رضي الله عنه تتجلى فيه معاني رحمة الإسلام بالناس، رحمة بمن ارتكبت جريمة الزنا ثم تابت توبة نصوحاً، ورحمة بالمغتصبة المعتدى عليها.. تلك الرحمة الحكيمة التي جاء الإسلام ليجعلها أساساً في حياة الناس وتعاملاتهم.. وقراءة هذه الرحمة تحتاج إلى صبر، وتأمل، وتجديد نية طلب الحق.. والله المستعان.
ما لَك وللخبر؟
قديماً في زمن خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. يروي لنا الإمام مالك في الموطأ عن واقعة حصلت في ذلك الزمان : "أن رجلاً خطب إلى رجل أخته فذكر أنها قد كانت أحدثت– قال الإمام الطاهر بن عاشور في كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب النكاح/ جامع النكاح: أي زنت -فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه أو كاد يضربه.. ثم قال: ما لك وللخبر؟".
قال الإمام ابن عبد البر (في الاستذكار /كتاب النكاح / باب جامع النكاح): قد روي هذا المعنى عن عمر من وجوه، ومعناه عندي - والله أعلم - في من تابت وأقلعت عن غيها، فإذا كان ذلك حرم الخبر بالسوء عنها، وحرم رميها بالزنا، ووجب الحد على من قذفها إذا لم يقم البينة عليها.
ثم روى الإمام ابن عبد البر( في الاستذكار/كتاب النكاح/ باب جامع النكاح) بسنده عن الشعبي أن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال: إن ابنة لي ولدت في الجاهلية، وأسلمت، فأصابت حدا، وعمدت إلى الشفرة، فذبحت نفسها، فأدركتها، وقد قطعت بعض أوداجها بزاويتها، فبرئت، ثم مسكت، وأقبلت على القرآن، وهي تُخطب، فأخبر من شأنها بالذي كان؟، فقال عمر: أتعمد إلى ستر ستره الله، فتكشفه، لئن بلغني أنك ذكرت شيئاً من أمرها لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها نكاح العفيفة المسلمة.
القضية التي وقف فيها سيدنا عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- هذا الموقف القوي الذي يرقى إلى العقوبة أو التهديد بها في حق من يفضح ستر من زنت ثم تابت إذا ما خطبها خاطب، هي قضية تلتبس على العقول، وتتداخل فيها الحقوق ظاهراً، فهناك حق الستر لمن تابت، وهناك حق الخاطب في أن لا يخدع بالزواج ممن يظنها لم يمسها غيره، لكن الملهم سيدنا عمر –رضي الله عنه- يجعل الستر حقا لا يعارضه حق غيره، بل ويسقط ما قد يُتوهم من حق للخاطب في إعلامه بحال مخطوبته قبل توبتها.
الستر والعدل
ويشرح لنا الإمام الطاهر ابن عاشور ذلك –في كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب النكاح/ جامع النكاح- فيقول: "ووجه الفقه في ذلك كله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بستر المسلم فيما زل فيه من المعاصي فقال في الحديث الصحيح: "من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة".. فحَصُل العلم بأن من مقاصد الشريعة الستر في المعاصي ما لم يخش ضر على الأمة، لأن في الستر مصالح كثيرة، منها: إبعاد المقترف عن استخفاف الناس به وكراهيتهم له، ومنها أن من حصلت منه المعصية على وجه الفلتة إذا ستر أمره بقي له وقاية من مروءته فلعله لا يعاود تلك المعصية فإذا افتضح زال ذلك الاتقاء، فقال: أنا الغريق فما خوفي من البلل، فلأجل ذلك كله وغيره أدّب عمر –رضي الله عنه- من شهر بأخته، لأن تلك المقاصد التي ذكرناها هي أقوى وآكد في جانب الأقارب بله الأخوة، وليس هنالك ما يعارض، إذ لا منفعة للخاطب في إعلامه بما أحدثته مخطوبته، فإنه ذنب مضى، وليس هو عيبا في الخلقة يجب الإعلام به لتجنب الغرور بالخاطب، كعيوب الأبدان والأخلاق من مرض أو جنون أو حماقة قوية تمنع حسن المعاشرة، على أن الإخبار بمثل ذلك يوجب انكفاف الرجال عن تزوج المرأة، ولذلك قال له عمر: "مالك وللخبر"، يعني لا داعي إلى ذلك الخبر ولا فائدة، فإن الاستفهام في قوله "مالك" استفهام إنكاري هو في معنى النفي، أي : ليس لك مع هذا الخبر اتصال واختصاص". اهـ النقل مختصراً.
فالإسلام يؤكد على أن العفة منبعها طهر القلب، واستقامة السلوك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "التائب عن الذنب كمن لا ذنب له" ( سنن ابن ماجه/ كتاب الزهد / باب ذكر التوبة)، قال ابن حجر الهيتمي في مجمع الزوائد : "رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. قلت: وقد تقدمت أحاديث في باب "الإسلام يجب ما كان قبله" في كتاب الإيمان. ونقله الإمام ابن عبد البر في الاستذكار في كتاب النكاح/ باب جامع النكاح.
وإذا كان الخاطب إذا زنا ثم تاب، فليس غشاً ولا خداعاً أن يستر على نفسه، وأن لا يفضحها أمام من يخطب عندهم، بل يحرم عليه أن يفضح نفسه، والستر واجب عليه، فكذلك المرأة إذا تابت، واستقامت ليس لها أن تفضح نفسها، وليس لأهلها أن يهتكوا ستر الله عليها. يروي الإمام ابن عبد البر (في الاستذكار / كتاب النكاح/ باب جامع النكاح ) أن رجلا أراد أن يزوج ابنته، فقالت: إني أخشى أن أفضحك، إني قد بغيت. فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال: أليست قد تابت؟ قال: نعم، قال: فزوجها.
ونجد في فروع الفقه المالكي مزيد تفصيل في هذه المسألة، فيذكر المالكية أن من زالت عذريتها بزنا لم يتكرر منها هي في حكم البكر، وكذلك من اغتصبت، وينصون  أن من لم يتكرر منها الزنا لم يرتفع حياؤها، فتعامل معاملة الفتاة البكر في أن أباها له أن يجبرها على الزواج.
والأمر ليس من جهة القهر للمرأة كما قد يتبادر، لكن هم ينظرون لهذه المسألة في ضوء الوضع الاجتماعي الذي كانوا يعيشونه، وفي هذا الوضع تستحي الفتاة البكر من إبداء الموافقة على الزواج، وقد تصرّح بالرفض وهي راغبة، فنظراً لهذه الطبيعة النفسية الخاصة للبكر في ذلك المجتمع، ذهب المالكية إلى أن والد الفتاة البكر له أن يجبرها على الزواج الذي تمتنع عن قبوله حياء، ومن هنا كان تعبيرهم الفقهي: أن علة إجبار البكر هي الحياء.
وأن التي زنت ولم يتكرر ذلك منها في حكم البكر لأنها لم يرتفع حياؤها. ( التاج والإكليل / كتاب النكاح/ ج3/ ص 327/ الناشر: دار الفكر. وهذا هو مشهور مذهب المالكية كما نقل الشيخ البناني في حاشيته على مختصر خليل/ مج3-4/ج3/ص172. دار النشر: دار الفكر).
يبدو هذا الكلام عجيبا في عصر كعصرنا، فالغالب أن الفتيات – في عصرنا- لا يمتنعن عن قبول الخاطب حياء من أن يفهم أنهن راغبات في الزواج، لكن فلنحلل عزيزي القارىء كلام المالكية في ضوء تكييفهم للمسألة.
ينظر المالكية إلى الفتاة التي وقعت في الزنا ولم يتكرر هذا الفعل منها نظرة تستوقف المرء حقاً، فهم لا يجعلون سقوطها هذا رغم شناعته سبباً للحكم عليها بارتفاع الحياء عنها، فالسقوط لمرة لا يعني أنها صارت في حكم الفاجرات اللاتي لا حياء عندهن، وهذه النظرة تجعلنا نتأمل في العدل الفقهي الذي نتج عنه هذا الحكم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة8، وهي نظرة تتسق مع ما يؤكد عليه الإسلام من أن الذنب ينبغي أن لا يكبل المرء، وأن التوبة باب مفتوح في كل لحظة، ليبدأ المسلم من جديد مع رب يقبل عليه بفرح، ويعده بالعون والتأييد إن أخلص الإنابة.
عزة التوبة.. تصحيح معرفي
وأجدني أتأمل كيف أن نشر هذه الثقافة، وتأصيلها في نفوس الناس، سيحمي كثيرات ممن اغتصبن أو زللن من كراهية الذات التي قد تقودهن إلى ظلمة العزلة أو التردي في مهاوي الفساد والعياذ بالله.
هي ثقافة تكسب المرء قوة نفسية، واعتزاز بالله عز وجل فالله هو العزيز، وهو يريد للمسلم العزة، واحترام الذات، ويمنعه من أن يدخل بينه وبين ربه العزيز نفس أمارة بالسوء والكراهية والاحتقار، أو بشر ليس من حقه أن يطلع على ذنب خفي مهما كان قربه من صاحب الذنب، فالله وحده هو القريب حقاً، العزيز حقاً، يغار على عبده المؤمن، وليس للمؤمن أن يهتك ستراً ستره الله عليه.
وفي ضوء النصوص القرآنية والنبوية العامة التي تحث على الستر، وتأمر به، وفي ضوء فقه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والتحليل النفسي والاجتماعي لهذا الفقه، جاءت الفتاوى المجيزة لعملية إعادة الغشاء في حق من زنت فتابت وحسنت توبتها.
ففي فتوى لفضيلة الدكتور علي جمعة محمد بشأن حكم عملية إعادة غشاء البكارة (الفتوى بتاريخ 28/12/2003 موقع دار الإفتاء المصرية/ فتاوى فضيلة المفتي/ الطب والتداوي) يقول فضيلته بعد أن أكد على الحض على العفاف وتحريم الزنا، وذكر أن الأصل في الشريعة هو الستر على الأعراض وأيد قوله بالنصوص الشرعية: "لقد نص السادة الأحناف أن العذرة لو زالت بزنا خفي وهو الذي لم يصل إلى الحاكم فلم يقم عليها الحد، ولم تشتغل به حتى صار الزنا لها عادة، أنها بكر حكماً، وإن لم تكن بكرا حقيقة، وتُزوج كالأبكار، حتى إنها لا تُستَنطق، إنزالاً لها منزلة البكر التي يقول فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :" البكر تستأذن وإذنها صمتها"، وعلل الحنفية ذلك بقولهم: وفي استنطاقها إظهار لفاحشتها، وقد ندب الشارع الستر. ( مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر/ كتاب النكاح / باب الأولياء والأكفاء)، ثم قال فضيلته: "... ومما سبق فيجوز لها رتق ذلك الغشاء بالطب درءاً للمفسدة التي تترتب ولو في المآل على عدم ذلك الرتق، ويجوز للطبيب فعل ذلك ولو بالأجر، أما إذا اشتهرت بالزنا والعياذ بالله، أو حدت فيه فلا يجوز ذلك لانتفاء العلة." اهـ كلام فضيلته .
وسئل فضيلة الدكتور البوطي: "أليس الإفتاء برتق غشاء البكارة واحداً من الأسباب التي تهوّن الوقوع في الخطأ؟" فأجاب فضيلته: "أرأيت لو أن فتاة مستقيمة خطبت إلى شاب مثلها، وكانت قد انزلقت يوماً ما إلى ارتكاب فاحشة، ثم تابت إلى الله توبة نصوحا، أفيجب عليها أن تكشف سترها لهذا الشاب.. الجواب أنه كما لا يجب على الشاب أن يتحدث عن انحرافاته الماضية التي تاب عنها، فكذلك الفتاة لا يجب عليها ذلك، لأن معصية الرجل والمرأة في ميزان الله تعالى سواء.
فإذا كان هذا واضحاً، فإن ترميم الفتاة التائبة بصدق بكارتها سترا لنفسها، داخل في الحكم ذاته، هذا بقطع النظر عن أن هذا الترميم فيه عون كبير على استقامتها، في حين أن منعها من ذلك وإلجائها إلى طريق الفضيحة، من أخطر أسباب الانحراف إلى الرذيلة والموبقات." اهـ باختصار يسير.( مع الناس مشورات وفتاوى . د. محمد سعيد رمضان البوطي. ص 134).
آلام المغتصبة أشد
وإذا كان الشرع – في فقه سيدنا عمر رضي الله عنه- قد ألغى ما قد يتوهم من غش الخاطب فيما إذا لم يُخبر بأن من يخطبها قد سبق لها أن زنت، ويعد هذا الذنب هو أمر خاص بالفتاة متى تابت عنه، واستقامت، فقد يقال إن من اغتصبت فزالت بكارتها هي أولى بأن تستر على نفسها، فهي ضحية ومعتدى عليها، لكن ماذا عن الأثر النفسي الذي يتركه الاغتصاب في نفس المغتصبة، والذي يؤثر على قدرتها على القيام بحق الزوج الخاص؟، هل يجعل من الواجب عليها أن تخبر الخاطب بما حصل لها ليعينها على تجاوزه نفسياً؟.
لست من أهل الإفتاء إنما أطرح المسألة للمناقشة لا التقرير، هذا الأثر النفسي هل يمكن معالجته بسرية تامة، وبدون حاجة إلى معونة الزوج؟، هذا ما ينبغي أن يجيب عنه الأطباء، فإذا كان ذلك ممكناً فينبغي أن يكون القول بالستر واجباً، لكن إذا لم يكن من الممكن معالجته، فما هو الحكم؟، وهل يقال إن الزوجة ليس لها أن تخبر الزوج بما جرى لها، ويعالج الأمر على أنه عرض نفسي طارىء، لكن لماذا نحمّل الزوج العبء النفسي والمادي لعلاج الزوجة، أليس هذا ضرر يلحق به لا ذنب له فيه؟.
اجتهادات مغايرة
لقد اقتصرت في  السطور السابقة على طرح المسألة من حيث اتصالها بفقه سيدنا عمر- رضي الله عنه-، وإلا فإن لبعض المعاصرين أقوالاً واجتهادات بعضها يختلف مع فقه سيدنا عمر –رضي الله عنه-  في التأصيل ويتفق في النتيجة، وبعضها يختلف مع فقه سيدنا عمر في التأصيل والنتيجة.
من القسم الأول: أي من الفتاوى التي تختلف مع فقه سيدنا عمر في التأصيل وتتفق في النتيجة الفتوى التي صدرت عن مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الـ 18 من 9 إلى 14 تموز 2007م، ونصها: «يجوز رتق غشاء البكارة الذي تمزق بسبب حادث أو اغتصاب أو إكراه، ولا يجوز شرعاً رتق الغشاء المتمزق بسبب الفاحشة، سدا لذريعة الفساد والتدليس، ويستثنى من هذا الحكم ما إذا غلب على الظن أن عدم الرتق يؤدي إلى مفسدة عظمى، فإنه يجوز إجراء عملية الترقيع، كما هو الحال في أعرافنا، فإن الفتاة إذا اكتشف ليلة زفافها أنها فاقدة للعذرية تطلق، وفي طلاقها مفسدة لها وعار لأهلها، وقد يؤدي الأمر إلى قتلها من قبل ذويها، وفي حال وجود مفسدتين ترتكب الأخف دفعا للعظمى. ( جريدة عكاظ / 29 أكتوبر 2009) .
وتتفق فتوى الدكتور سلمان العودة مع فتوى مجمع الفقه الإسلامي في إجازة مثل هذه العملية درءا لمفسدة ما يسمى جرائم الشرف، وهي مفسدة عظيمة، يقول: «عملية ترميم غشاء البكارة فيها خلاف بين الفقهاء، والذي أميل إليه أنه إذا وجدت التوبة عند الفتاة، فإنه يجوز لها أن تفعل ذلك حفاظاً على نفسها، وعلى حياتها، وعلى مستقبلها؛ لأنه من النساء من تقتل، وأنا أعرف منظمة عالمية ذكرت أن خمسة آلاف امرأة تقتل سنويا بسبب هذا الأمر، أو ما يسمى بجرائم الشرف". (موقع الإسلام اليوم http://islamtoday.net/salman/artshow-78-121971.htm)
ومن القسم الثاني: أي من الفتاوى التي تختلف مع فقه سيدنا عمر في التأصيل والنتيجة: ما ذهب إليه أ. د حسين حامد حسان رئيس مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث عضو المجامع الفقهية من منع مثل هذه العملية، قال: إن فتح الباب في هذه العمليات يؤدي إلى فساد عظيم بل إنها تجر إلى مفاسد أكبر من منفعة الستر، ومن ذلك الغش والتدليس على الزوج، مشيراً إلى ضرورة أن يبين ولي الأمر للخاطب ما حصل لابنته في حال إجراء عملية الترقيع، وأضاف: ولقد سبق وصادفتني عدة حالات لفتيات أخفين على خطبائهن حقيقة بكارتهن فاكتشف الزوج ذلك فحدث الطلاق وتبعت ذلك آثار سلبية عظمى.
وعلل فضيلته سبب رفضه لتلك العمليات لأنه لا يبرر الستر على الجريمة بارتكاب جريمة أخرى فسد الذرائع ومنع المفاسد مقدم على كل ما سواه، وأضاف: أعتقد أن مثل هذه الفتاوى تقلل من قيمة العفاف والطهر رغم قيمتهما الكبيرة ( جريدة عكاظ /29 أكتوبر 2009).اهـ النقل باختصار.
وكلام فضيلته قد سبقت مناقشته في ثنايا المقال، فالكلام على الغش والتدليس على الزوج تعارضه النصوص التي تأمر بالستر، وتجعل الذنب أمراً خاصاً بين العبد وربه، ليس من حق أقرب الناس الاطلاع عليه، والكلام على أن هذا الباب يجر الفساد، ويقلل من أهمية العفاف والستر يرده أن قفل هذا الباب يشجع على الإعراض عن التوبة، ويحرم من أرادت الاستقامة من بداية جديدة في حياتها طاهرة، عزيزة، بستر الله ومغفرته وتوبته.
لقد جعل الإسلام مساحة كبيرة للفرد المسلم للإصلاح، وبنى أحكامه على التعامل مع المسلم تعاملاً يؤكد على احترام المسؤولية الفردية، ويشدد على ثقافة الستر، ويعزز ثقة المسلم بنفسه، وبقدرته على أن يكون فردا صالحا مهما ارتكب من خطايا، وسد الباب أمام ذلك هو مجافاة لروح الإسلام، وميزة عظمى من مزاياه كما أفهم. والله أعلم.





مقالاتي القديمة 2: تعدد الزوجات دروس الفقه والحياة


حكاية التعدد معي بدأت بخطبة إحدى صديقاتي المقربات من قبل رجل متزوج، أذكر أني قلت لها: لا بد لك أن تعرفي ما لك وما عليك لئلا تظلمي أحدا أو يقع عليك الظلم، قالت: نعم. وتزوجت صديقتي، وكان زوجها رجلا طيبا، لكن تعقيدات الحياة أبرزت مواقف كان الحب فيها حاضرا كما كانت الرغبة في معرفة الحقوق التفصيلية حاضرة، وليس الحب وحده كافيا وإن كان مهما في تجاوز الأزمات؛ لأن التنازل ليس دوما قرين الحب، بل قد يكون التمسك بالحق هو قرين الحب بحسب اختلاف الحالات التي يعيشها الإنسان، وهنا تحصل الكثير من الالتباسات.


أحكام التعدد

حياة صديقتي نبهتني إلى أهمية دراسة فقه التعدد، ولست أزعم أني أحطت به، وإنما تعرفت على بعض خطوطه الرئيسية التي لا يلتفت كثير من الناس إليها في دروس أسبوعية يسر الله لي إلقاءها في بيت جدي رحمه الله، كشفت لي أني مثل كثيرات حولي كنا نجهل الكثير عن أحكام التعدد.
الإمام النووي في مقدمة كتابه المجموع أكد أن المسلم لا ينبغي أن يقدم على أمر من أمور الحياة إلا بعد أن يتعلم أحكام الشرع فيه، لئلا يقع في الحرام، لكن حال الناس مع التعدد ليس كذلك، فيتزوج الرجل، وتقترن به الزوجة الثانية دون أن يعلما جيدا أحكام الحياة الجديدة التي سيقبلان عليها، وتنشغل الزوجة الأولى بهم الزواج الجديد فلا تلتفت إلى أنها لا بد لها من أن تعلم ما هي حقوقها لكي تحسن المطالبة بها حال رغبتها في ذلك.
نبهتني شيختي فضيلة الدكتورة شادية كعكي لأمر مهم حيث قالت: المذاهب مختلفة في تفاصيل مسائل التعدد، من البداية ينبغي أن تتفق الأطراف على القول الفقهي الذي سيلتزم به الجميع، لئلا يحصل التنازع، مثلا إذا فرط الزوج في حق إحدى الزوجتين فمكث عند إحداهما في وقت الأخرى وجب عليه أن يقضي هذا الوقت لمن فرّط في حقها، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، لكن الحنفية لا يقولون بالقضاء مع إثباتهم عصيان الزوج في هذه الحال، ولهم تكييفهم الفقهي لهذا الحكم.
وليست المسألة مرتبطة فقط بالحقوق بشكل مجرد لكنها مرتبطة بالقلب الذي يعي كيف يطالب بها، ومتى يطالب بها، ومتى يتنازل عنها لتستقيم الحياة، وهذا مرتبط بحرص كل الأطراف على تعلم مهارات التعامل مع الذات والآخرين، ومرتبط أيضا بمسئولية زائدة على الزوج هي أن يدرس قدرته على التصرف بحكمة، لئلا يظلم نفسه وزوجاته، ويكون متعديا لحدود الله.
الإمام الشافعي فسر قوله تعالى (ذلك أدنى ألا تعولوا) في آية التعدد فقال: أي لا تكثر عيالكم. كما ورد في تفسير الإمام الطبري، وهنا ملمح مهم يلفت إليه كلام الإمام الشافعي، هو أن التعدد إنما يلجأ إليه الرجل بعد أن يستوفي النظر في قدرته على القيام بالحقوق الحاضرة والمستقبلة، ليس فقط حقوق الزوجات بل الأولاد أيضا.
الشيخ عبد الحليم أبو شقة نبه على ذات الملمح في آية التعدد ولعله يحسن بي أن أورد الآية كاملة ثم أنقل كلام الشيخ عبد الحليم.. يقول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء:3].
يقول الشيخ عبد الحليم: "إن الشرع يقرر (فانكحوا ما طاب لكم) أي ما كان فيه خيركم وصلاح حالكم؛ حال الرجل والزوجات والأولاد؛ لأنه لا شك إذا صلح الرجل واطمأن باله صلح حال من حوله من زوجات وأبناء. كذلك نحسب أنه لا يصلح حال الرجل ويطمئن باله إذا ساءت حال زوجاته وأبنائه".

مصلحة الأسرة

"إذن هدف التعدد هو تحقيق صلاح حال الأسرة، وليس متعة الرجل وحده. وإذا كان لرجل حاجة في التعدد يتم بها صلاح حاله وحيل بينه وبين التعدد، فلا بد أن يتضرر ويضعف نشاطه، وتقل راحته، حسب أهمية تلك الحاجة، ولا بد أن يضر ذلك بحال الأسرة كلها.
وإذا كان صلاح الرجل في الزوجة الواحدة، وتزوج بأخرى خضوعا لهوى عارض ودون توفر الشروط فلا بد أن يقع في الحرج، وقد يعجز عن توفير الرعاية الأدبية والمادية للأسرة، وتضار ضررا بالغا.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن كثيرا من الناس في التعدد بين طريقين؛ أحدهما يختزل الحكم الشرعي في الإباحة ويعد أي حديث عن كون التعدد مثل الزواج بواحدة قد يكون مباحا وقد يكون حراما وقد يكون مكروها كما قد يكون واجبا، يعده حديثا مخالفا للشرع، والطريق الثانية: من يتحدثون عن كون تقييد إباحة الزواج بأربع هو تشريع أراد به الإسلام التدرج لإلغاء التعدد، وقاسوا ذلك على الرق، كما كتبت آمنة ودود في كتابها "القرآن والمرأة.. إعادة قراءة النص القرآني من منظور نسائي".
وأرى أن الطريقين قد جانبتا الجادة الصحيحة، إذ إن قراءة كلام أهل العلم قراءة متكاملة تقودنا إلى مثل ما سطره الشيخ أبو شقة مما نقلته آنفا.
نقرأ في تفسير الإمام الطبري ما مفاده أن الأمر بالنكاح في قوله تعالى: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء) ليس للاستحباب كما هو شائع، بل الأمر هنا خرج مخرج النهي عن التعدد حال خوف الجور وذلك بقرينتين تضمنهما سياق الآية الكريمة:
الأولى: الربط بين التحرج في اليتامى والتحرج في التعدد من حيث وجوب الاحتياط لحقوق العباد.
الثانية: قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) فالأمر بتحري العدل وإيجاب الاقتصار على واحدة حال الخوف من عدم العدل دليل على أن العبد مأمور بالاحتياط في الحقوق التي يوجبها على نفسه لئلا يلقى الله ظالما، والظلم ظلمات يوم القيامة.
ثم إن قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) تأكيد على أن التزام الزوج العدل فيه مشقة وكلفة لا ينبغي أن يهون من أمرها، ولا يقتحمها دون ترو ونظر.
ويصب في هذا الفهم للآية الكريمة ما اعتمده فقهاء الشافعية والحنابلة عندما تحدثوا عن حكم الزيادة على واحدة، يقول الخطيب الشربيني الشافعي في مغني المحتاج ( ج3/127): "ويسن ألا يزيد على امرأة واحدة من غير حاجة ظاهرة".
وجاء في كشاف القناع للشيخ البهوتي الحنبلي (ج5/ ص9): "ويستحب ألا يزيد على واحدة إن حصل بها الإعفاف لما فيه من التعرض للمحرم. قال تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)، وقال صلى الله عليه وسلم: ( من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) رواه الخمسة"ا.هـ.
وإذا كان الحنابلة قد عللوا عدم استحباب التعدد بأن فيه تعرضا للمحرم من عدم العدل، فإننا يمكن أن نضيف إلى ذلك علة أخرى، وهي أن التعدد إن لم تدع إليه حاجة ظاهرة كما عبر الشافعية يكون فيه تقصير عن التحقق بكمال العشرة بالمعروف التي من فضائلها الإحسان والوفاء  للزوجة التي بينها وبين الزوج ميثاق غليظ تواثقا عليه بأمان الله، وكانت له السكن والمودة والرحمة ليكون لها كذلك، فلا يكدر قلبها  بضرة تضارها في صفاء معيشتها، يقول الإمام ابن حجر في فتح الباري: "ومما كافأ النبي صلى الله عليه وسلم خديجة في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها..".
كما أن التعدد دون حاجة ظاهرة فيه تعزيز لشهوات النفس، وفك لها عن عقالها، والتعلل من قبل بعض الرجال بأن طبيعة الرجل تجعله راغبا في النساء، محتاجا إلى زيادة الإحصان بتعدد الزوجات، هو منطق غير مستقيم؛ لأن النفس إن لم يحكم المرء إلجامها عن رغباتها تمكنت منه، واكتمال النصاب الشرعي له لن يكفي نفسه المتعلقة بالشهوات، وليس هذا حال المسلم الحق:
والنفس كالطفل إن تهمله شـب على  حب الرضاع وإن تفطمه ينفطــم
فاصرف هواها وحاذر أن توليــه   إن الهوى إذا ما تولى يُصم أو يَصِم
فالتعدد إنما شرع لمعنى راق يبتذله من يمتطي التعدد لأجل شهواته، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه الذواقين والذواقات، كما أن هناك معنى آخر سبق التنبيه عليه عند نقل تأويل الشافعي لقوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) فقد قال الإمام الشافعي: أي ألا تكثر عيالكم، وفي هذا تأكيد مسئولية الزوج التربوية، وأهمية مراعاة هذا البعد، ومراجعته قبل الإقدام على التعدد، والموازنة في ذلك.
وفيما يلي كلام محكم للشيخ عبد الله الجبرين في هذا المعنى، جاء في موقع الشيخ عبد الله الجبرين ما نصه:
س: ما حكم استغلال البعض لإباحية تعدد الزوجات بالزواج والطلاق كل حين، والتفريق بين الزوجات والأبناء في المُعاملة والمُجاهرة بذلك؟
الإجابة:
أباح الله للرجل أن يتزوج أكثر من واحدة بشرط العدل في القسم والنفقة والمؤانسة وجميع ما تحتاجه المرأة، ثم قال تعالى: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً"، ثم إن القصد من النكاح هو الإعفاف للزوجين والذرية الصالحة، فلا يجوز أن يكون القصد هو قضاء النهمة البهيمية، وقد ورد ذم الذواقين والذواقات وهم الذين يقصدون مجرد قضاء الشهوة مرة ثم يطلب الفراق، فيكثر الزواج والطلاق أو المرأة تقصد الدخول به مرة ثم تطلب الطلاق، فإن في ذلك ضررا على الزوجة إذا طلقت لأول نكاح وفيه إساءة الظن بها، وإذا تزوج الرجل اثنتين أو أكثر فعليه أن يسوي بين زوجاته في جميع ما يقدر عليه ويحرم عليه التفريق بينهن، ففي الحديث: من كان له زوجتان فمال مع إحداهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط، وهكذا عليه التسوية بين أولاده والعدل بينهم، قال صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. فلا يجوز تفضيل بعضهم على بعض في القُبلة، فكيف بما فوق ذلك من الهبة والعطية والنفقة والكسوة والسُكنى والمُؤانسة ونحو ذلك.


إدارة الحياة

إذن لدينا هنا أبعاد كلها تؤكد أن التعدد يحتاج إلى عمق في النظر، هناك البعد الشرعي في حكم التعدد بين الأحكام الخمسة، وهذا البعد مرتبط بأن الأصل أن المسلم يحتاط لنفسه في الحقوق التي يلزم نفسه بها والتي سيحاسب عليها، وكذلك مرتبط بالصفات النفسية والسلوكية لدى الزوج، وقدرته على الإدارة الجيدة لحياته، وإيفاء حقوق أهله وأولاده. وهناك بعد مرتبط بقيم الحرص على مشاعر الزوجة الأولى وعدم تكدير خاطرها تحقيقا للعشرة بالمعروف. وهناك بعد مرتبط باتفاق الأطراف على كيفية إدارة الحياة من حيث إثبات الحقوق وفق نهج معين.
بقي أمر وهو الحاجة إلى كتابة فقه التعدد بطريقة سلسة يفهمها عامة الناس، لتكون بمثابة ميثاق مكتوب تتدارسه كل الأطراف قبل إقدام الزوج على الزواج الثاني، وتفعيل الدعوة إلى ذلك إعلاميا، وبحث مدى جواز أن يشرع ذلك كقانون يلزم به الزوج والزوجة الأولى والزوجة الثانية، قبل إجازة الزواج الثاني من قبل المحكمة، وكذا تشريع قانون يجتاز بموجبه الزوج اختبارات معينة تكشف عن قدرته على القيام بواجبات الزواج الثاني..
أنا هنا لا أقرر وإنما أطرح هذا الأمر ليتدارس أهل الفقه مدى جواز تشريع ما ذكرته آنفا كقانون ملزم تحقيقا لمقصد الشرع من التعدد وهو صلاح حال الأسرة.. والله أعلم.




مقالاتي القديمة (1) : إنهم أوغاد أحيانا


"لا عليك فأنا وغد عريق"..
كانت تعتذر له إن كانت صراحتها معه ضايقته، فقال لها هذه العبارة وهو يبتسم، ابتسمت بدورها، وهي تتذكر نصيحة "أوبرا": صدقوا ما يقوله الناس عن أنفسهم.. لم يكن بينهما سوى زمالة فكر، فلا يعنيها إن كان وغدا حقيقة أم لا.
من يعنيها ذلك حقًّا هي كل فتاة بدأت في علاقة "جدية" في ميزانها تنوي بها وصولا نحو الزواج.. النصيحة الأولى التي ينبغي أن تنتبه لها جيدا.. أن تركز كثيرًا وهي تسمع ما يقوله الطرف الآخر عن نفسه.. وتحلل تصرفاته في المواقف المختلفة، وردود أفعاله.. في البدايات لا مجال لالتماس الأعذار؛ لأن ذلك يعني تشويش الرؤية، وعدم الاعتدال في الحكم على الطرف الآخر.. ما يقوله الطرف الآخر عن نفسه سلبًا لا بد أن يكون مجال تمحيص ومراقبة وانتظار وتأنٍ، فلعله "وغد عريق حقا"!.

"كلمات ليست كالكلمات"

أحيانا تسكر الكلمات المحملة بالفكر العميق، والنبل، والفضيلة، أكثر من كثير من الكلمات المسبوكة غزلا وهياما.. نبهنا لذلك قديما الكاتب الكبير "إحسان عبد القدوس" في رائعته: "الطريق المسدود".. وهنا تبرز إشكالية "الالتزام اللفظي".
وكلمة "الالتزام" عادة ما تطلق على "الالتزام الديني"؛ وهي بحسب واقعي السعودي كلمة كان إيقاعها عاليًا في "الثمانينيات".. كانت الشخصيات "الملتزمة" لها سطوة نفسية على الآخرين، كانوا يمثلون وجهًا واحدًا للدين يقدم على أنه "الوجه الأوحد".
لكن اليوم؛ بدأ يخفت الانبهار بهذا "التميز" الذي شكلته مجموعة من "الشعائر الظاهرة"، ولعل من أقوى الأسباب التي أدت إلى ذلك هو اضطراب الخطاب الديني السعودي، وانعكاسات هذا الاضطراب على الرموز الدينية في تعاطيهم مع قضايا التواصل بين الجنسين.
قلت إن الانبهار قد بدأ يخفت.. لكن هذا لا يعني أنه انطفأ فهو ما زال حاضرا لكنه أقل سطوة، ونجد أن انبهارا جديدا حل محله بالتزام جديد تجاه قضايا المجتمع، والتجديد الذي لا ينابذ الدين ولكن يتصالح معه.
وتلبس الكلمات عباءات سحرية جديدة.. فمن يعطي وقته لنفع الناس كيف يمكن أن يخذل من سمح لهم بالاقتراب من دائرته الشخصية؟
صدقي إحساسك الداخلي

في عالم الفتيات الكثير من الحكايات عن مثل هذه الشخصيات "الملتزمة"، وكثير منها يتفق على أنهم "أوغاد يلبسون ثياب الفضيلة".. فإذا أرادت الفتاة أن تقف موقفا مباشرا من عبارات مبطنة، يكون الجواب مربكا، ومتعاليا، فلا يليق بمثله أن يسمع اتهامات من مثلها.
عزيزتي: في مثل هذا الموقف.. صدقي إحساسك.. وغادري علاقة لا تحترم عقلك ومبادئك ومشاعرك!.
لكن الأمر يبدو صعب التصديق أحيانا.. فكيف يكون وغدًا من هكذا وصفه فكرا، ورصانة، وتدفقا بالخير.. الفكرة المهمة التي تغفل عنها كثيرات أن الفكر والرصانة والخير المالي أو العلمي ليس أحدها هو المحك الحقيقي لأخلاق الإنسان، ألم يحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من أول الناس الذين يقضى عليهم يوم القيامة: "ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأتى به، فعرّفه –الله عز وجل- نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟، قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار".
المحك الحقيقي هو أن يكون المرء صادقا يصدّق فعلُه قولَه، وهذا يتطلب مزيد وقت، ومزيد مواقف، ولا يمكن اكتشافه من فكر مبهر، أو عطاء ممتد، فقد يسهل على المرء بعض الأخلاق دون بعض، وأصعب الأخلاق هو عدل مع النفس وعدل مع الغير.
وكان لهم ملاذا

التبرير النفسي جاهز عند هؤلاء "الأوغاد أحيانا"، فاللمم تكفره المداومة على الفرائض، ومساحة من العبث لا ضير فيها؛ لأن الطرف الآخر يحتاجها بشكل أو بآخر، وينسون أن اللمم إنما يكون لمما إذا كان زلة عابرة لا موقفا حياتيا، أليست الصغائر تصير كبائر بالإصرار؟ وهل يكون التلاعب بمشاعر الآخرين لمما؟ ألم ينهَ الله تعالى عن التعريض بالنكاح بعبارات قوية (فاحذروه).. إذا كان من يفعل ذلك لا يفعله عن رغبة صادقة: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم). سورة البقرة : آية 235.

مزيدا من الوقت

نعم يا عزيزتي.. "إنهم أوغاد أحيانًا"، والمواقف هي المحك، فلا تغرنك الألقاب، أو الأسماء، أو حتى الأفعال التي لا تتصل بمواقف مباشرة معك، فتيقظي وتعلمي فن الرحيل عن مشاعرك التي تتسم بالثقة والإكبار والتي تجعل الارتباط شرطيًا بين الخلق الأصيل والعلم أو الفكر أو العبارات المنمقة المهذبة أو حتى الخاشعة.. تعلمي كيف تكتشفين من هو أصيل وصادق حقًّا.. ومن هو صغير بسوء خلقه وإن حاز من العلم ما حاز.
حدثنا الإمام النووي في مقدمة المجموع عن الإمام الشافعي أن من أسباب أن ينور الله القلب أن يبغض أهل العلم الذين لا إنصاف معهم ولا أدب، وأراني أقف مع تعبير الإمام الشافعي بـ(البغض).. أتراه ينبهنا بأقوى العبارات على أن التقدير والثقة إنما يستحقهما من جمع بين العلم والخلق الحسن، أما العلم مجردًا عن الأدب فلا يستحق منا أن نعد صاحبه أهلا لثقتنا.
http://www.islamonline.net/Arabic/adam/images/up.gif


 


الأحد، 21 أبريل 2013

وهم كظل



بخطوات رشيقة تسير بهما الساعات، يتقاسمان فيها حلو المعاني، وبديع الانتقاءات التي تلامس عندهما الروح والقلب، وتأسر الوجدان ..
          وهم يتبدى حقيقة يظل بها القلب منبهرا.. والنفس متعلقة .. وهم خادع .. ظلام لا نور.. وكدر لا نقاء.. وشهوة خفية استعارت لنفسها ثوب زور .. فإذا المرء يظن الوهم رقيا.. ويظن الوهم طهرا .. ويظن الوهم حبا جارفا لا طاقة له بمقاومته ..
          إنه وهم كبير .. فمشاعر الحب مقدسة مكانها الحقيقي إشراقة الصباح .. تأبى الظلال .. وتأبى المساحات الرمادية .. ولا تعترف إلا بالتقارب المسؤول .. تلك المسؤولية التي تظهر معدن الإنسان .. وتبين عن أخلاقه الحقيقية .. مسؤولية تعتز بالصواب.. وتعترف بالخطأ دون مواربة لتصوغ علاقة مضيئة يتذوق فيها المرء الصدق في تقلباته كلها.
" ... وكثيرون هم الذين يعانون الآلام والمتاعب في سبيل ما يتمثل في نفوسهم من أوهام ( "التطوع للعذاب" من المجموعة القصصية "فتوة العطوف"  للأستاذ نجيب محفوظ) .
          وكثيرون هم الذين استسلموا للوهم .. صدّقوه لأنهم أرادوا ذلك .. فصار في حسهم حقيقة تستبد بعواطفهم، وتعبث بهم وجعا وبؤسا .. وكيف يكون حقيقة ما لم تختبره المواقف، وتزنه بموازينها تقلبات الأحداث اليومية ؟ إنه وهم يتغوّل في وجدانهم فيستسلمون لجاذبيته وتألقه دون تجربة فاحصة يتبين بها صدق مشاعرهم وأصالتها.. مشاعر قوية عاصفة مؤلمة وفي ذات الوقت غير ناضجة .. فإذا ما أفاقوا أو اضطروا إلى أن يفيقوا بقيت آثار الوهم القديم تؤرقهم .. وقد شوهت شيئا ما في وجدانهم .. أحافير قديمة لا زالت تنال من صفاء أرواحهم ..
          لكن هل يحس الإنسان نعمة البهجة إلا إذا كانت عقب حزن أو ركود .. وهكذا كثيرون أيضا بعد أن تخدش أرواحهم بجروح الأوهام .. وتنال الظلال منها كل منال .. فإنهم إذا ما أشرقت قلوبهم بنور ربها .. وسماحة الأقدار.. لم يعودوا يسمحون للمشاعر الموهومة أن تعصف بهم .. فإذا ما ألحت في الزيارة أداروا لها ظهورهم في كل مرة  فلن يرضوا لأنفسهم أن يكونوا الأوغاد من جديد.. وهم يدركون أن تلك المشاعر الموهومة ظاهرها قوة وباطنها خيبة وزيف .. التسامي عنها يجعلها تضمحل .. ليعيشوا حياتهم في نور لا وهم فيه ولا ظل.. 

السبت، 13 أبريل 2013

الطاعة والنشوز الصورة من جديد


هذه المقالة كتبتها قبل ما يزيد على خمس سنوات، ونشرت في موقع إسلام أون لاين ...

القوامة والرجولة

قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ
وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ
عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} النساء: 34.

ربط القرآن القوامة بالفضل والإنفاق، وفي هذا إشارة إلى أن أحكام العلاقة
بين الزوجين مرتبطة بعللها التشريعية ارتباطا وثيقا، بحيث يدور الحكم مع
علته وجودا وعدما، ولئن كان الفقهاء يسقطون حق القوامة للزوج حال عدم قدرته
على الإنفاق أفليس مقتضى السياق القرآني أن يسقط هذا الحق حال عدم تحقق
الزوج بالصفات المعنوية للقوامة؟.

وقد نقل الإمام أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط عن بعض المفسرين
قولهم: الرجال قوامون على النساء إن كانوا رجالا، أي إن تحققوا بصفات
الرجولة.

فالقوامة مظهر السواء النفسي لدى الرجل، والآية الكريمة تخبر عن حال الأسرة
في قمة سوائها وتكاملها الإنساني الذي يفضل فيه الرجل المرأة في جوانب
بحسب طبيعته، كما تفضل فيه المرأة الرجل في جوانب أخرى بحسب طبيعتها، ولعل
في التعبير القرآني: {بما فضل الله بعضهم على بعض} إشارة إلى ذلك، مع أن ما
يتبادر إلى الذهن أولا أن يكون التعليل: بما فضلهم الله به.

طاعة الزوج.. إشكالية اللفظ

تسكن المرأة إلى الرجل متى تحقق بمقتضيات الرجولة، من رجاحة عقل وسعة خلق،
وأمر الأسرة -بل أمره هو كما هو أمرها- شورى بينهما، يرعيان بيتهما كل بحسب
ما يلائم طبيعته، وترجح كفة العناية بالمنزل والأولاد لدى المرأة على كفة
المسئوليات والنشاطات خارج المنزل وذلك وفقا لطبيعتها، والعكس لدى الرجل
وذلك وفقا لطبيعته، مع إثبات حق كل منهما في النصيب الذي يوائم حاجاته من
الكفة الأخرى.

بالمعروف تسير الحياة بينهما، لا يمنعها من ممارسة حياتها بيسر دون عنت
داخل المنزل وخارجه ما دامت لا تخل بحقه أو الحق العام للأسرة، ومن ثم فإن
الحديث عن حق الزوج في (الحبس)، وإطلاق ذلك، يحتاج إلى مراجعة. يقول الإمام
ابن عبد البر في كتابه التمهيد شرح موطأ الإمام مالك في شرح حديث: "لا
تمنعوا إماء الله مساجد الله": وإن لم يكن للرجل أن يمنع امرأته المسجد إذا
استأذنته في الخروج إليه، كان أوكد أن يجب عليه ألا يمنعها من زيارة من في
زيارته صلة رحمها، ولا من شيء لها فيه فضل أو إقامة سنة.

فإذا ما حصل النزاع لأمر طارئ، قدمت المصلحة العامة لأجل استقرار الحياة
بينهما، فإذا كان الرجل متصفا بأخلاق القوامة، كان له الفصل فيما طرأ، بعد
أخذه بأسباب التشاور الحق، والمراجعة الهادئة المنصفة، التي تعترف للمرأة
بحقها الأساسي في رعاية شئون حياتهما.

في هذه المساحة يأتي لفظ طاعة الزوج شرعا، وهي مساحة اقتضتها الفطرة
السوية، والحكمة في تسيير الحياة الزوجية، كشركة لا بد لها من قائد حصيف
متمكن من أخلاقيات القيادة. فيكون المقصود بالطاعة هو: الاعتراف بحق الرجل
المتحقق بصفات القوامة في القيادة فيما يخص مصلحة الأسرة.

نشوز الزوجين
فإذا نشزت الزوجة -أي ارتفعت وتعالت- عن معاملة زوجها بالمعروف أو نشز
الزوج كذلك، فما العمل؟.

ذكر القرآن هذين النشوزين في السورة ذاتها، لكن اللافت أن الآية التي تحدثت
عن نشوز الزوجة وضعت تدابير للإصلاح، أما الآية التي تحدثت عن نشوز الزوج
لم تضع تدابير مكافئة.

ويجيب عن ذلك النظر إلى سياق الآية التي ورد فيها ذكر نشوز المرأة، وهي آية
القوامة، فالقرآن قابل بين الصالحات القانتات الحافظات للغيب وبين
الناشزات، وهذه المقابلة تدلنا على أن المراد نوع خاص من النشوز، وهو نشوز
الزوجة التي لا تحفظ زوجها بالغيب، وترتكب الفاحشة المبينة أي الزنا، يؤكد
هذا الفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ونص الحديث: "..
ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير
ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضجع واضربوهن ضربا
غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن لكم من نسائكم حقا،
ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا
يأذن في بيوتكم لمن تكرهون..." رواه الترمذي وصححه.
الحبس والضرب للزانيات
ذكر القرآن في آية القوامة الصورة الأرقى للرجل والمرأة، ثم وجه الرجل
القوّام إلى كيفية التعامل مع المرأة الخائنة، حتى لكأن أخلاقيات القوامة
أكثر ما تظهر هي في ضبط سلوك الرجل مع الصورة الأكثر تشوها للمرأة، وهي من
ثبت له زناها: {واللاتي تخافون نشوزهن} فالخوف هنا بمعنى اليقين في خصوص
الهجر في المضجع والضرب كما رجح الجمهور، واستدلوا له لغة، ولأن فيهما
إيذاء أشد من الوعظ فلا يُلجأ إليهما إلا إذا حصل اليقين بوقوع النشوز.
ويؤيد ذلك الحديث المذكور آنفا.

ووضع القرآن الكريم تدابير تتنوع بين اللين ودرجات مختلفة من الشدة، بحيث
لا يلجأ إلى أشدها وهو الضرب إلا إذا فشلت أي وسيلة سواه للإصلاح، ثم لا
يحق له اللجوء إليه دون دراسة متعقلة لجدواه، إذ هي وسيلة غرضها التأديب لا
تشوبها شائبة من الرغبة في الانتقام.

وإن ثبت لديه أو ترجح -وهو الرجل السوي العاقل- عدم فائدتها في الإصلاح
فليس له الإقدام عليها، وإلا كان معتديا بغير حق، كما نص على ذلك الشافعية
والمالكية، فالضرب هنا وسيلة اضطرارية يتم اللجوء إليها ترجيحا لمصلحة
الأسرة من باب ارتكاب أخف الضررين، فالضرب غير المبرح -أي غير الشاق الذي
لا يكسر عظما ولا يشين جارحة- ضرر لكن إذا كان سببا للإصلاح فإن في تركه
ضررا أعظم يتمثل في جعل الزوجة تتردى في خطيئتها، أو تمزيق الأسرة.

ولنا هنا وقفة مع معنى الهجر في المضجع، وقد اختلفت تأويلات العلماء في
بيانه، فمن ذلك قول الجمهور: هو ترك الدخول عليهن، والإقامة عندهن، وقيل:
يهجرها في الفراش ورجح الإمام الطبري أن الهجر في الآية مشتق من الهجار وهو
الحبل الذي يشد به البعير، يقال: هجر البعير أي ربطه، قال: "... فاستوثقوا
منهن رباطا في مضاجعهن يعني في منازلهن وبيوتهن التي يضطجعن فيها..."،
وذلك أن هجر الناشز في البيت أو الفراش لا يمثل ضغطا عليها إذ هي نافرة
أصلا من الرجل، لكن مثل هذا الاستيثاق هو الوسيلة الضاغطة التي تردعها عن
نشوزها.

وإذا كان الإمام الطبري قد أثبت الربط بالهجار على حقيقته، أفلا يصح أن
نحمله على معنى مجازي وهو الحبس؟ فإذا صح ذلك يكون في الآية دليل آخر على
أن الحبس استثناء يلجأ إليه الزوج في مثل هذه الحالة الشاذة وليس حقا أصليا
يحجر به على المرأة.

نشوز الرجل
هكذا تعامل القرآن مع أقصى صورة لنشوز المرأة، وماعدا ذلك تحدث عن الحكمين
حال الشقاق الظاهر بين الزوجين، في الآية التي تلي آية القوامة، وتحدث أيضا
عن الإصلاح حال نشوز الرجل، وإعراضه عن زوجته، وتعاليه عليها بمنعها حقها
في حسن العشرة، ودعا الطرفين إلى التنازل عن بعض حقهما، لأجل أن لا تنفصم
عرى الأسرة، وذم أصحاب النفوس الشحيحة، التي لا تبذل الصلح ولا تقدم ما به
يتحقق الوئام: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ
إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} النساء
128.











الاثنين، 12 نوفمبر 2012

شكرا " فوتسي "

إذا أردت أن تقرأ شيئا غنيا ومختلفا .. ثق أن " فوتسي " ستحقق بعض بغيتك .. هذه سطور أحببتها بعنوان : كيف حولت 51 ريالا إلى 22 ألفا ؟ .. واخترت أن تكون مدخلا للتعرف إلى عالم فوتسي ..

" بدأت في قراءة مجلات الأعمال في وقت مبكر نوعاً ما، لكن لم أبدأ في شراء المجلات بشكل فعلي إلا في آخر سنة 2009..

وأعني بالمجلات ” كل” المجلات، حتى تلك التي لا تتعلق بريادة الأعمال أو بالإدارة بشكل عام.

يعني في كل مرة أذهب لشراء الجرعة الأسبوعية من مجلات البيزنس من الدانوب، أبتاع مجلة ليس لي فيها أدنى اهتمام، مجلة عن الزراعة مثلاً، أو الجولف، أو الروك آند رول.


 والسبب هو أنك حالما تبدأ في حصر عالمك باهتماماتك وحدها، تستيقظ ذات يوم وقد وجدت حياتك مغلقة لا تستقبل أصوات جديدة



 الغريب أنني في كل مرة أبتاع فيها مجلة من هذا النوع، أجد ” قطعة” أو ” فتفوتة” معلومة مثيرة للاهتمام تفتح لي أبواب من ” البهجة المعرفية-.


والتتمة هنا :




http://fotsee.tumblr.com/post/35221066679/51-22


الاثنين، 8 أكتوبر 2012

لا يجتمعان : حب وشرط .

يحدثنا كتاب : " لا تهتم بصغائر الأمور في العلاقات الزوجية " لد. ريتشارد كارلسون ، و زوجته كريستين كارلسون ، من المنشورات التي ترجمتها مكتبة جرير عن : " بعض الاستراتيجيات البسيطة التي تسمو بروحك ، وتفتح قلبك ، وترقى بحياتك ، وتوسع من نظرتك للأمور ."


أحببت الكتاب ولما أتمه بعد .. يجمع بين البساطة والعمق معا .. وأحب أن أقرأ معكم الليلة في بعض سطوره التي تناولت فكرة : أن حياة الحب في التعبير عنه .. وأن التعبير عنه ينبغي أن لا يكون مشروطا .. فإذا قال أحد الطرفين لصاحبه : أحبك ولكن .. فإن " لكن" هذه من شأنها- كما يقول الكاتبان - أن :" تحوّل جملة تدل على البراءة والاحترام إلى محاضرة ماكرة تدل على أغراض شخصية " ..

يقول د. ريتشارد أن زوجته كريستين عندما نبهته إلى هذا المعنى لأول مرة أظهر قليلا من الدفاع ، ثم إنه تعلّم بعد مزيد حوار بينهما أنه " ليس هناك ما يدعو لذلك. لم تقل كريس ما يفيد أنها فوق النقد أو أنني لست حرا في إثارة مسائل تزعجني ، بل على العكس لقد شجعت ذلك ولا زالت تشجعه . كان ما تطلبه مني أن أفصل بين كلمة :" أحبك" وبين أية موضوعات أخرى معها ."

وبمزيد تأمل يتبين لدكتور ريتشارد أنّ " لكن " هي تعبير غير نقي فيه منّ وأذى .. ولكأنه يقول : حبي لك رغم عيوبك يدل على مدى تسامحي وصبري معك؛ فكم أنا متفضل عليك بهذا الحب . يقول الدكتور ريتشارد : " إذا لم يكن ذلك شاذا، فماذا يكون ؟ " ..

فليكن تعبيرنا عن الحب صافيا ، دافئا ، حنونا ، بل ومجنونا ، وفاء لكل ما يعطينا إياه الحب من سكينة .. ولنخصص وقتا مستقلا لمناقشة ما يضايقنا من الطرف الآخر ، وحينها فإن التغيير الذي ننشده لحياتنا سيكون إيقاعه أسرع ، وجدواه أعمق في نفس من نحب ، ولنتذكر دائما : أن ذكر الجفا في موطن الصفا جفا .. وتصبحون على خير..

الثلاثاء، 10 يوليو 2012

يشبه فاطمة

زيارة إلى وادي نمار، فعلت شيئا ما بروحي .. تلك البطة السائرة المتآلفة مع وحدتها ، والأسماك الصغيرة التي تحتفي بعالمها .. والمياه النقية التي كانت كأنها صديقة قديمة لقدماي .. تهمس لهما بالأمل الجديد القادم .. حتى الجو كان رائقا .. شكرا يا رب على كل ما منحتني إياه من نعم .

تذكرت فاطمة أختي بكل ما تمنحني إياه من "جمال" .. نعم وادي نمار يشبه فاطمة:)